وفي الختام- يا طالب العلم- خذ هذه العلامات التي متى ما وجدتها مُتحققةً فيك, فاعلم أنك قد سَلَكت الجادة في طلب العلم, وأنك تسير على منهجيَّةٍ راسخةٍ صحيحة, ومُؤدِّيةٍ لرسخوك بإذن الله تعالى, منها:
أ- حرصُك على وقتك حرصًا مُنقطع النظير, بحيث تتحسَّر على ضياع الدقائق بلا فائدةٍ كبيرة.
ب- قدرتُك على البحث بنفسك, وتمكنك من معرفة الراجح بدليله, وإكثارُك من البحث.
ج- كثرةُ قراءتك واطّلاعك وفق منهجيَّةٍ مُحكمة, واسْتشارةٍ لمشايخك.
د- أنْ تكون عندك ثقةٌ في نفسك[190], وشجاعةٌ محمودة, وبُعدُك عن جَلْدِ الذات التي تُصيب بالإحباط والفتور.
هـ- أنْ تستمتع بالجلوس مع الكتب أكثر من اسْتمتاعِك في الجلوس مع الناس, وحتى مع طلاب العلم, بل تصل إلى المرحلة التي قال ابن قيم الجوزية رحمه الله عنها: "وأمّا عُشّاق العلم فأعظم شغفاً به وعِشقاً له من كلِّ عاشقٍ بمعشوقه ، وكثيرٌ منهم لا يشغله عنه أجمل صورة من البشر". ا.ه[191]
ولا يعرف قيمة الصدق إلا الصادقون ، ولا قدر الشجاعة إلا الشجعان ، ولا حقائق الحكمة إلا الحكماء, فكذلك لن يعرف قدر العلم ويشعر بقيمته ولذّته إلا العلماء, أو من سار على منهجهم وطريقتهم.
واعلم أن صحة المنطلق هي الأساس للوصول إلى المسار الصحيح في العلم والتعلم ، والقاعدة تقول : (مَن صحت بدايته استقامت طريقته وصحت نهايته ، ومن فسدت بدايته اعوجَّت طريقته وساءت نهايته).
وقد لخَّص الشافعيّ - رحمه الله تعالى - لك أسباب نيل العلم, ورسوخك فيه فقال:
أَخِي لَنْ تَنَالَ الْعِلْمَ إِلاَّ بِسِتَّةٍ ... سَأُنْبِيكَ عَنْ تَفْصِيلِهَا بِبَيَانِ
ذَكَاءٌ وَحِرْصٌ وَاجْتِهَادٌ وَبُلْغَةٌ ... وَصُحْبَةُ أُسْتَاذٍ وَطُولُ زَمَانِ
واعلم أنَّ كلّ شيءٍ ثمينٍ لابدّ في حصولِه من بذل الغالي والنفيس, كبذل المال, والوقت, والجهد والتعب, والتضحيةِ في أشياء اعْتَدَتّ عليها.
"والعلم لا يُنال براحة الجسم ، وإنما يُنال بالتعب والعناء، والسهر لنيله, كما قال ابن عبدالقوي رحمه الله:
ولا تسأمنَّ العلمَ واسْهر لنيله ... بلا ضجرٍ تُحْمَدْ سَرى السير في غدِ
وكما قيل: " أعط العلم كلَّك يأتك بعضُه ، وأعط العلم بعضَك يَفُتْك كُلُّه " ، فالعلم ليس بالأمر الهيِّن ، العلم يحتاج إلى مثابرة ، ومُصابرة ، والذي لا تدركه أول مرة تدركه في ثاني مرة".[192]
"واعلم أنّ نفسَك بمنزلة دابّتك, إنْ عرَفتْ منك الجدّ جدّت, وإنْ عرفتْ منك الكسل طمعت فيك, وطلبتْ منك حظوظَها وشهواتها".[193]
وليس المهم كم قرأتَ, ولكن المهم: ماذا استفدتَّ, فأصْحاب القراءة والْمُطالعة كُثر, والمستفيدون من القراءة فائدةً تعود عليهم وعلى أُمَّتهم بالنفع قليلٌ جداًّ.
((الخاتمة)):
نسأل الله تعالى أنْ ينفع بنا الإسلام والمسلمين, وصلى الله على نبيِّنَا محمد وآله وصحبه.
والحمد لله رب العالمين.
***