العنايةُ بالقلب هو الأصل في صلاح الإنسان واسْتقامته, وطالب العلم أحوج ما يحتاجه إلى العناية والاهتمام بقلبه خاصَّةً, ثم تكون له عنايةٌ بحفظ جوارحه عن ارْتكاب ما يُغضب الله تعالى, ولا ينسى عنايتَه بصحته وغذائه.
ولا تظنّ أن المنازل العالية التي أعدها الله للمجاهدين، والعلماء، والداعين إلى الله، والمنفقين لهم فحسب، بل هي لهم ولمن لم يعمل عملهم.
أتدري من هم؟
هم أصحاب النيات الصادقة بأن يكونوا مثلهم، ولم يقدروا على ذلك.
وأعجز الناس من عجز عن نيّة صادقة، ومع سهولتها إلا أنه لا يوفق لها إلا الصادق.
وعندما تقرُب من الله بصدق اليقين، وصلاح القلب: ستشعر بلذةٍ وسكينةٍ وخفةِ رُوح لم تعهدها طول عمرك، وستشعر بلذةِ مناجاة الله، وشوقٍ إلى لقائه، وفرحٍ بعطائه، ورضا بقضائه..
والله إنها جنة عجّلها الكريم، ورَوح من ربٍّ رحيم.
وستقول: إن كان نعيم أهل الجنة مثل هذا النعيم لهم في نعيم عظيم.
وللصدق مع الله في قلب المؤمن رائحة طيبة زكية يفوح عبيرها، ويشمها كل من رآه أو سمعه، فتحبه القلوب، وتثني عليه الألسن.
قال ابن الجوزي رحمه الله: "وليعلم الإنسان أن أعماله كلها يعلمها الخلق جملة، وإن لم يطلعوا عليها، فالقلوب تشهد للصالح بالصلاح وإن لم يشاهدوا منه ذلك". ا.ه[20]
اللهم اجعلنا منهم.
وإذا صفا قلبك من أمراضه كالغل والتعلق بغير الله، ولم يتشتت بالتعلق بالدنيا وأهلها وكثرة النظر إلى مواقع التواصل: فسيحل فيه الأنس بالله، ومحبته والإقبال عليه ورجاؤه وخوفه والشوق إلى لقائه، وستعيش في جنة معجلة.
وسيفتح لك الفتاح العليم من الفهم والعلم والهداية ما لا يخطر على بالك..
ولتحقيق هذا المطلب لا بدّ من العنايةِ بالأمور التالية:
1- الحذر من مواطن المعصية, وخاصةً في الشبكة العنكبوتية ( الإنترنت), ومواقع التواصل الاجتماعي, وليستحضر قوله: (فليحذَرِ الَذِينَ يُخَالِفُونَ عَن أمره أَن تُصيبَهُم فِتنَة أَؤ يُصِيبَهُم عَذَاب أَليم).
نقل النووي عن الشافعي رحمهما الله قوله: (من أحبّ أنْ يفتح الله قلبه أو ينِوِّره فعليه بترك الكلام فيما لا يعنيه، واجتناب المعاصي، ويكون له خبيئة فيما بينه وبين الله تعالى من عمل). ا.ه[21]
ولْيخش من يُقلب ناظريه إلى الحرام أنْ يُذهب الله عنه بركة العلم, ويمحوَه ويمحقَه.
قال ابن الجوزيّ رحمه الله: إخواني! اسمعوا نصيحة من قد جرب وخبر, إنه بقدر إجلالكم الله عز وجل يجلكم، وبمقدار تعظيم قدره واحترامه يعظم أقدراكم وحرمتكم.
ولقد رأيت -والله- من أنفق عمره في العلم، إلى أن كبرت سنه، ثم تعدى الحدود، فهان عند الخلق، وكانوا لا يلتفتون إليه، مع غزارة علمه، وقوة مجاهدته.
ولقد رأيت من كان يراقب الله -عز وجل- في صبوته مع قصوره بالإضافة إلى ذلك العالم -فعظم الله قدره في القلوب، حتى علقته النفوس، ووصَفَتْه بما يزيد على ما فيه من الخير. ا.ه[22]
2- الإخلاص لله تعالى, وتصحيح النية في طلب العلم من أهمِّ وأوجب الواجبات, قال الذهبي رحمه الله: من طلب العلمَ للعمل كسره العلمُ، وبكى على نفسه، ومن طلب العلم للمدارس والإفتاء والفخر والرياء، تحامق، واختال، وازدرى بالناس وأهلكه العُجْبُ، ومقتَتْهُ الأنفس قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (الشمس: 9-10) أي: دسَّسَها بالفُجور والمعصية. قُلِبتْ فيه السينُ ألفاً. ا.هـ[23]
ولكي تكون نيَّتُك صحيحةً سليمةً في طلب العلم, تُؤَجر على كل ثانيةٍ تقضيها في سبيل تحصيله عليك بما يلي:
أ- أن تقصد بطلبك للعلم امتثالَ أمر الله ورجاء ثوابه, حيث أثنى الله تعالى على أهل العلم ثناءً عظيمًا, ولا غرض من هذا الثناء إلا دعوة الناس إلى اللَّحاق بركبهم.
قال الله عز وجل : " قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون " ، وقال : " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ".
فتنوي بطلب العلم امتثال أمر الله, فإذا نويت ذلك سيكون طلبُك للعلم عبادةً وقربةً تتقرب بها إلى الله ، مناقشتُك وقراءتُك وبحثُك وتفكرك عبادةً تُثقِّل بها موازين حسناتك.
بل وستجد لذة عجيبةً, وراحة أكيدة, قال العلامة الشاطبي رحمه الله تعالى: "فَإِنَّ الْعَامِلَ بِمُقْتَضَى الِامْتِثَالِ مِنْ نَتَائِجِ عَمَلِهِ الِالْتِذَاذُ بِمَا هُوَ فِيهِ، وَالنَّعِيمُ بِمَا يَجْتَنِيهِ مِنْ ثَمَرَاتِ الْفُهُومِ، وَانْفِتَاحِ مَغَالِيقِ الْعُلُومِ، وَرُبَّمَا أُكْرِمَ بِبَعْضِ الْكَرَامَاتِ، أَوْ وُضِعَ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، فَانْحَاشَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وحلَّقوا عَلَيْهِ، وَانْتَفَعُوا بِهِ، وأمُّوه لِأَغْرَاضِهِمُ الْمُتَعَلِّقَةِ بِدُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُ عَلَى السَّالِكِينَ طُرُقَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، مِنَ الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَطَلَبِ الْعِلْمِ، وَالْخَلْوَةِ لِلْعِبَادَةِ، وَسَائِرِ الْمُلَازِمِينَ لِطُرِقِ الْخَيْرِ، فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ: كَانَ لِلنَّفْسِ بِهِ بَهْجَةٌ وَأُنْسٌ، وَغِنًى وَلَذَّةٌ، وَنَعِيمٌ بِحَيْثُ تَصْغُرُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى لَحْظَةٍ مِنْ ذَلِكَ.". ا.ه[24]
ب- أنْ تنوى بطلب العلم رفع الجهل عن نفسك أولاً ثم الناس ثانيًا.
قال الإمام أحمد رحمه الله : العلم لا يعدله شيءٌ لمن صحَّتْ نِيَّتُه ، قالوا : كيف يا أبا عبد الله ؟ قال: ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره.
ج- أن تنوي حفظ الشريعة والملَّة من أهل البدع والضلالة والأهواء, فتنوي بطلبك حراسةَ الإسلامِ والمسلمين.
3- الاقتصادُ في الخلطة والطَّعام, والراحة والنومِ وغيرها.
أما الاقتصاد في الخلطة: فطالب العلم أحوج ما يكون إلى التفرغ للعلم والقراءة وحضور مجالس العلم.
وما أضْعَفَ هِمَمَ بعضِ طلاب العلم إلا كثرة مُجالسةِ بعضِهم لبعض بلا منفعةٍ واضحة, والإكثار من النزهات والأحاديث التي لا تتعلق بالعلم.
وطالب العلم ينبغي عليه أنْ يُجاهد نفسه على الانفكاك من التعلق بأصدقائه ومُحبِّيْهِ؛ ليتفرغ لطلب العلم, وإنْ أكْثَرَ من خلطتهم فسيضعف عن الطلب, ويتراجع كثيرًا.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وَأَمَّا حُبّ النَّاسِ لَهُ[25] فَإِنَّهُ يُوجِبُ أَنْ يَجْذِبُوهُ هُمْ بِقُوَّتِهِمْ إلَيْهِمْ, فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قُوَّةٌ يَدْفَعُهُمْ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَخَشْيَتِهِ[26], وَإِلَّا جَذَبُوهُ وَأَخَذُوهُ إلَيْهِمْ..
وَقَدْ يُحِبُّونَهُ لِعِلْمِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ إحْسَانِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ, فَالْفِتْنَةُ فِي هَذَا أَعْظَمُ[27], إلَّا إذَا كَانَتْ فِيهِ قُوَّةٌ إيمَانِيَّةٌ وَخَشْيَةٌ وَتَوْحِيدٌ تَامٌّ, فَإِنَّ فِتْنَةَ الْعِلْمِ وَالْجَاهِ وَالصُّوَرِ فِتْنَةٌ لِكُلِّ مَفْتُونٍ.
وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَطْلُبُونَ مِنْهُ مَقَاصِدَهُمْ إنْ لَمْ يَفْعَلْهَا وَإِلَّا نَقَصَ الْحُبُّ, أَوْ حَصَلَ نَوْعُ بُغْضٍ, وَرُبَّمَا زَادَ أَوْ أَدَّى إلَى الِانْسِلَاخِ مِنْ حُبِّهِ فَصَارَ مَبْغُوضًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مَحْبُوبًا.
فَأَصْدِقَاءُ الْإِنْسَانِ يُحِبُّونَ اسْتِخْدَامَهُ وَاسْتِعْمَالَهُ فِي أَغْرَاضِهِمْ حَتَّى يَكُونَ كَالْعَبْدِ لَهُمْ.[28]
وَأَعْدَاؤُهُ يَسْعَوْنَ فِي أَذَاهُ وَإِضْرَارِهِ.
وَأُولَئِكَ يَطْلُبُونَ مِنْهُ انْتِفَاعَهُمْ, وَإِنْ كَانَ مُضِرًّا لَهُ مُفْسِدًا لِدِينِهِ, لَا يُفَكِّرُونَ فِي ذَلِكَ, وَقَلِيلٌ مِنْهُمْ الشَّكُورُ.
فَالطَّائِفَتَانِ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَقْصِدُونَ نَفْعَهُ وَلَا دَفْعَ ضَرَرِهِ, وَإِنَّمَا يَقْصِدُونَ أَغْرَاضَهُمْ بِهِ, فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْإِنْسَانُ عَابِدًا اللَّهَ مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ مُوَالِيًا لَهُ وَمُوَالِيًا فِيهِ وَمُعَادِيًا, وَإِلَّا أَكَلَتْهُ الطَّائِفَتَانِ, وَأَدَّى ذَلِكَ إلَى هَلَاكِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. ا.ه[29]
وأما الاقتصاد في الطعام: فطالب العلم ينبغي أنْ يكون أحرص من غيره في ذلك, فيكون مُنظَّمًا في أكله, ويختار الطعام المفيد النافع, فله أثرٌ كبيرٌ في نشاطه وفهمه وحفظه.
ومن أهم ثمرات العناية بالأكل الجيد, أنه سببٌ - بإذن الله- لحفظ صحتك, وهذه غايةٌ لطالب العلم حتى يتفرغ للعلم, فكثرة العاهات والآلام - التي منشؤوها المعدة غالبًا- تُضيِّع الوقت, وتُفسد المزاج.
وطالب العلم العاقل, لو لم يَعْتَنِ بأكله, ويدع الإفراط فيه إلا لأجل هذه الثمرة لكفى.
قال ابن جماعة رحمه الله: والذهن الصحيح أشرف من تبديده وتعطيله بالقدر الحقير من طعامٍ يؤول أمرُه إلى ما قد عُلم، ولو لم يكن من آفات كثرة الطعام والشراب إلا الحاجة إلى كثرة دخول الخلاء لكان ينبغي للعاقل الللبيب أن يصون نفسه عنه.
ومن رام الفلاحَ في العلم وتحصيلَ البغية منه مع كثرة الأكل والشرب والنوم فقد رام مُستحيلاً في العادة.. ا.ه[30]
وقال ابن الجوزي رحمه الله: إصلاحُ البدن سببٌ لإصلاح الدين. ا.ه[31]
وأما الاقتصاد في النوم: فإنّ كثرة النوم تُميت القلب، وتُثقل البدن، وتُضيع الوقت، وتُورث كثرة الغفلة والكسل.
ولابد من العناية بضبط نومه, فيكون نومُه مُحدَّد البداية والنهاية, ومن لم ينضبط في نومه لن ينضبط في يقضته غالبًا, ومن باب أولى فإنه لن ينضبط في قراءته وطلبه للعلم.
ولْيحرص على النوم المبكر, والقيام قبل الفجر, وقد ذكر أهل الخبرة والطبّ: أنّ "كلّ ساعةِ نومٍ من بعد العشاء إلى منتصف الليل, تُوازي ثلاثَ ساعاتٍ من النوم العميق, وأما النوم مِن بعدِ مُنْتَصَفِ الليل, إلى قُبيل الفجر بساعتين تقريبًا, فيوجد فيها عشرون بالمائة من النوم العميق النافع, والباقي لا فائدة منه, والساعةُ منه بساعةِ نومٍ فقط.
وأما النومُ مِنْ بعد الفجر, فهو نومٌ غيرُ مفيدٍ أبدًا, وإنك تُلاحظ مَن ينام بعد الفجر, يقوم ولم يشبع من نومه, ولا يزيدُه هذا النومُ إلا خمولاً وكسلاً, وقد ثبت أنه سببٌ في انعدام البركة, وسببٌ في تشويش التفكير وانعدام التركيز".[32]
4- الحذر من أمراض القلب, كالعجب والغرور, واحتقار الآخرين, وهي أمراضٌ لا يدوم العمل الصالح معها, "وعجبُ المرء بنفسه أحدُ حسّاد عقله"[33], وقد يكون العلم وبالاً على صاحبه إذا لم يتخلص من أمراض القلوب.
قال ابن القيم رحمه الله أثناء حديثه عن مُحاسبة النفس: أن تعرف أن كل طاعة رضيتها منك فهي عليك، وكل معصية عَيّرْت بها أخاك فهو أعظم إثما من ذنبه وأشد من معصيته، لما فيه من صَولة الطاعة، وتزكية النفس وشكرها. ولعل كَسْرَتَه بذنبه، وما أحدث له من الذلة، والخضوع، والازدراء على نفسه، والتخلص من مرض الكبر، والعجب، ووقوفه بين يدي الله ناكس الرأس، خاشع الطرف، منكسر القلب: أنفع له وخير من صولة طاعتك، وتكثرك بها، والمِنَّة على الله وخلقه بها. فما أقرب هذا العاصي من رحمة الله، وما أقرب هذا المُدِلّ من مَقْت الله. فذنب تُذِل به لديه أحب إليه من طاعة تُدِل بها عليه، وإنك أن تبيت نائماً وتصبح نادماً خير من أن تبيت قائماً وتصبح معجباً، ولعل الله أسقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داءً قاتلاً هو فيك وأنت لا تشعر.
ولا يأمن كرَّات القدر وسطوته إلا أهل الجهل بالله، وقد قال الله تعالى لأعلم الخلق به: (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً) (الاسراء:74) وقال يوسف الصديق: (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ)(يوسف: 33). ا.ه[34]
واعلم أنه لابد لكل عمل من نشوة يعقبها فترة وملل, فلْيوطن طالب العلم نفسه على ذلك.
قال ابن القيم رحمه الله: العبد سائر لا واقف، فإما إلى فوق وإما إلى أسفل، إما إلى الأمام وإما إلى وراء، وليس من الطبيعة ولا في الشريعة: وقوف البتة، ما هو إلا مراحل تُطوى أسرعَ طَيِّ إلى الجنة أو إلى النار، قال تعالى: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) (المدثر:37) ولم يذكر واقفا، إذ لا منزلة بين الجنة والنار ولا طريق لسالك إلى غير الدارين البتة, فمن لم يتقدم إلى هذه الأعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة.
فإن قلت: كل مُجدٍّ في طلب شيء لابد أن يعرض له وقفة وفتور ثم ينهض إلى طلبه.
قلت: لابد من ذلك، لكن صاحب الوقفة له حالان:
إما أن يقف ليُحِمَّ نفسه ويُعدَّها للسير، فهذا وقفته يسيرة ولا تضره الوقفة، فإن لكل عمل شِرَّة، ولكل شرة فترة.
وإما أن يقف لداع دعاه من ورائه وجاذب جذبه من خلفه, فإن أجابه أخره ولا بد, فإن تداركه الله برحمته وأطلعه على سبق الركب له وعلى تأخره : نهض نهضة الغضبان الآسف على الانقطاع ووثب وجمز واشتد سعيا ليلحق الركب, وإن استمر مع داعي التأخر وأصغى إليه لم يرض برده إلى حالته الأولى من الغفلة وإجابة داعي الهوى حتى يرده إلى أسوأ منها وأنزل دركًا وهو بمنزلة النكسة الشديدة عقيب الإبلال من المرض فإنها أخطر منه وأصعب, وبالجملة : فإن تدارك الله سبحانه وتعالى هذا العبد بجذبة منه من يد عدوه وتخليصه وإلا فهو في تأخر إلى الممات راجع القهقرى ناكص على عقبه أو مول ظهره ولا قوة إلا بالله والمعصوم من عصمه الله. ا.هـ[35]
5- جاهد نفسك كثيرًا, وامنعها كثيرًا من رغباتها وأهوائها, فستجدها تنقاد لك ولو بعد حين.
قال الشاعر:
والنفسُ كالطفلِ إن تهملهُ شَبَّ على ... حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِم
وقال الآخر:
ومَنْ يطعمُ النفسَ ما تشتهي ... كمن يُطْعِمُ النارَ جزلَ الحطبْ
وقال الآخر:
ففي قمع أهواء النفوس اعتزازها ... وفي نيلها ما تشتهي ذلُّ سرمدِ
فلا تشتغل إلا بما يكسب العلا ... ولا ترضَ للنفس النفيسة بالرَّدِي
قال ابن الجوزي رحمه الله: وفي قوة قهر الهوى لذةٌ تزيد على كل لذة، ألا ترى إلى كل مغلوب بالهوى كيف يكون ذليلًا؛ لأنه قُهِر، بخلاف غالب الهوى؛ فإنه يكون قوي القلب عزيزًا؛ لأنه قَهَر؟! ا.ه[36]
6- احذر من طلب الشهرة والسمعة, فهي من أخطر الأمراض التي ابْتُلي بها كثيرٌ من طلاب العلم وغيرهم.
ومما يُلاحظ على طلاب العلم أيام النَّهَم, وبدايات طلب العلم, أنهم يجدون نشوةً وحماسًا في العلم, وإلقاءِ الكلمات, ومحبةٍ أحيانًا في البروز والظهور.
وقد انقسموا إلى ثلاثة أقسام:
1- قسم يفضِّل الخمول وعدم الظهور أبدا, ولو بإلقاء كلمات في القرى المحتاجة للعلم والدعوة, ويفضل الجلوس عند المشايخ وطلاب العلم, على حساب قراءته وجرده لكتب العلماء, ويقول بأن العلم الحقيقي عند المشايخ.
وهذا القسم قد يستأنسون بما ورد عن بعض السلف في تفضيلهم للخمول وذمهم لمحبة الذكر والشهرة.
كما ورد عن سُحنون رحمه الله أنه قال: كان بعضُ من مضى يُريد أن يتكلَّم بالكلمة, ولو تكلَّم بها لانتفع بها خلقٌ كثير، فيحبسها، ولا يتكلَّم بها مخافةَ المباهاة.[37]
وهؤلاء مضى عليهم سنواتٌ ربما تجاوزت الخمس عشرة سنة ولم نر لهم أثراً في مجتمعهم, فلم يكن منهم الخطيب, ولا المؤلف, ولا صاحب الدروس والمحاضرات.
كم جعلوا من الخمول جداراً منعهم نفعَ العباد, وكم جعلوا الشهرة حجةً في طلب الرقاد.
2- قسمٌ لا يرى الخمول وعدم الظهور أبدًا, ويبادر بإلقاء الكلمات في كل مكان وحتى في حيِّه وبين مشايخه, ولا يكثر الجلوس عند المشايخ وطلاب العلم, ويفضل قراءة وجرد كتب العلماء, ويقول بأن العلم الحقيقي في الكتب.
وهؤلاء قد يستدلون بما ورد عن بعض السلف الذين لا يرون كتمان الحال والشهرة, كما قال أبو مسلم الخولاني رحمه الله: ما عملتُ عملاً أبالي مَن رآه إلا أن يخلو الرجل بأهله أو يقضي حاجة غائطٍ.[38]
فهؤلاء طار ذكرهم, واشتهر أمرهم, ولكن ما أكثر زلاتهم, وأعظم جرأتهم, وما أحبهم للثناء, وما أقربهم من الرياء.
3 - قسمٌ يرى الخمول وعدم الظهور, ولا يفضل الشهرة والذكر ولا يكرهه, ويحرص على إلقاء الكلمات في القرى المحتاجة للعلم والدعوة, ولا يتجرأ على إلقائها في حيه وبين مشايخه توقيراً واحتراماً لهم, ويكثر الجلوس عند المشايخ والعلماء وطلاب العلم, لكن ليس على حساب قراءة وجرد كتب العلماء, فهو كثير الإطلاع, ملازمٌ لأهل العلم, ويقول بأن العلم الحقيقي بين الكتب والعلماء.
وهؤلاء هم أهل العلم والدعوة, وهم الصادقون المخلصون -ولا يعني بأن غيرهم ليسوا كذلك-, ففيهم الخطباء البلغاء, وفيهم الدعاة الفصحاء, منهم من ألفَّ كُتُباً, ومنهم من أقام فتح دروسًا, ولكنهم مع ذلك لا يحرصون على الظهور والبروز, ولا يتجرؤون على الفتوى المخالفة لما اشْتُهر عند العلماء.
والحق أن الشخص لا يُلام على ما يجده من محبةٍ للذكر الحسن, والشهرة في الخير ونفعِ الناس.
ففي صحيح مسلم أنه قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ قَالَ: « تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ ».
فأخبر أن حَمْد الناس للمؤمن بشارة معجلة في الدنيا, فكيف لا يفرح أحدٌ ببشارةٍ معجلةٍ له في الدنيا؟
وعند الإمام أحمد بإسنادٍ صحيح على شرط مسلم بلفظ: "يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ فَيُحِبُّهُ النَّاسُ", وهذا القيد لا بدّ منه, فلو عمل أحدٌ عملا ًللناس قاصداً الثناء فلا أجر له في ذلك, ولكنه يعمله لنفسه في الأصل, فينتشر ذكره عند الناس فيحمدونه.
قال الذهبي رحمه الله تعليقا على مقولة إبراهيم بن أدهم رحمه الله: ما صدق الله عبدٌ أحبَّ الشُّهرة.
قال: عَلاَمَةُ المُخْلِصِ الَّذِي قَدْ يُحبُّ شُهرَةً، وَلاَ يَشعُرُ بِهَا: أَنَّهُ إِذَا عُوتِبَ فِي ذَلِكَ، لاَ يَحرَدُ وَلاَ يُبرِّئُ نَفْسَه، بَلْ يَعترِفُ، وَيَقُوْلُ: رَحِمَ اللهُ مَنْ أَهدَى إِلَيَّ عُيُوبِي، وَلاَ يَكُنْ مُعجَباً بِنَفْسِهِ؛ لاَ يَشعرُ بِعُيُوبِهَا، بَلْ لاَ يَشعرُ أَنَّهُ لاَ يَشعرُ، فَإِنَّ هَذَا دَاءٌ مُزْمِنٌ. ا.ه[39]
فحبُّ الشهرةِ قد لا يسلم منها الكثير من الناس, وهي لا تكون مذمومةً إذا كان مقصد صاحبها حسناً, وذلك بأنْ لا يريد منها إلا نفعَ الناس وتبليغَ العلم النافع لهم؛ لأن الناس لا يُقْبِلون على من يجهلون.
وعلامةُ صحة مقصده: أنه يقبل النقد والعتاب, ويرجع إلى الحق والصواب, وأنْ لا يضيق صدره بقلة المتابعين له, وأن لا يُعجب بنفسه ولا بعلمه.
وإذا رأيت نفسك تفرح وتأنس عندما يُحيط بك الناس يُسلمون عليك عندما تذهب إلى مكانٍ ما, أو رأيت كثرة من يعرفك ويُصافحك, فاسْأل نفسك: هل فرحي لأني أصبحت مشهورًا مثل بقيّة المشاهير؟ وربما ذكرت ذلك لمن حولك إظهارًا لمكانتك بين الناس؟
أم فرحي لأنّ الناس انتفعوا بعلمي, وبما بذلت وسعيت؟
فإن كان الأول: فراجع نفسك وأصلح نيتك وسريرتك.
وإن كان الثاني فلا لوم على فرحك, بل أنت مأجورٌ على ذلك؛ وذلك لمحبتك نفع الناس.
وأكثرْ - ياطالب العلم- من سؤال الله تعالى أنْ يفتح لك أبواب العلم والتوفيق والبركة, وأنْ يرزقك الهمة العالية, والإرادةَ الصادقة, والنية الصالحة.
وإذا لم يكن لك عونُ الله، وُكِلت إلى نفسك، ومن وُكِلَ إلى نفسه هلك.
إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهاده
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: العبد مفتقر إلى الله في أن يهديه ويلهمه رشده.
وقد يكون الرجل من أذكياء الناس وأحدّهم نظرًا ويعْميه عن أظهر الأشياء، وقد يكون من أبْلد الناس وأضعفهم نظرًا ويهديه لما اختُلف فيه من الحق بإذنه، فلا حول ولا قوة إلا به.
فمن اتّكل على نظره واستدلاله أو عقله ومعرفته: خُذل.
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة كثيرا ما يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»[40]، ويقول في يمينه: «لا ومقلب القلوب»[41]..
وكان يقول هو وأصحابه في ارتجاجهم:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا … وثبّت الأقدام إن لاقينا[42]
وهذا في العلم كالإرادات في الأعمال، فإن العبد مفتقر إلى الله في أن يحبّب إليه الإيمان ويبغّض إليه الكفر، وإلا فقد يعلم الحق وهو لا يحبه ولا يريده، فيكون من المعاندين الجاحدين.
قال تعالى: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾، وقال: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾، فكما أن الإنسان فيما يكتسبه من الأعمال مفتقر إلى الله محتاج إلى معونته، فإنه لا حول ولا قوة إلا به، كذلك فيما يكتسبه من العلوم. ا.ه[43]
والْزم طريقيْ التوفيق: الصدق والإخلاص.
والفرق بينهما: أنَّ "للعبد مطلوبًا وطالِبًا، فالإخلاص: توحيد مطلوبه، والصدق: توحيد طلبه. فالصدق بذل الجهد، والإخلاص إفراد المطلوب".[44]
واعلم أنَّ من أعظم ما يُوفَّقُ له الإنسان الهِمَّةَ العاليةَ الشريفة, فبِها ينال مطلوبَه, ويُحقّق أُمنيتَه.
قال ابن القيم رحمه الله : وكمالُ كلِّ إِنسانٍ, إنَّما يَتِمُّ بهذين النَّوعين , هِمَّةٌ تُرقِّيهِ , وعلمٌ يُبصِّرهُ ويَهديهِ؛ فإنّ مَراتَب السَّعادَةِ والفَلاحِ, إنَّما تفوتُ العَبدَ من هاتَين الجهتَين, أو مِن إحداهُما. ا.ه[45]
والمقصودُ مِنْ علو الهمة استصغارُ ما دون النهاية من معالي الأمور، وطلبُ المراتب السامية.
إنَّ عاليَ الهمة يجود بالنفس والنفيس في سبيل تحصيل غايتِه النبيلة، وتحقيقِ بغيته الشريفة؛ لأنه يعلم أنَّ المكارم منوطةٌ بالمكاره، وأن المصالحَ والخيرات، واللذاتِ والكمالات كلَّها, لا تُنَالُ إلا بحظٍّ من المشقة، ولا يُعْبَرُ إليها إلا على جسرٍ من التعب.
بَصُرتُ بالراحة الكبرى فلم أرها ... تُنال إلا على جسرٍ من التَّعَب
بل إنه لا يرضى بالرَّاحة ولو ضُمنت له المكارم؛ كراهة أن يعتاد العجز والكسل.
قَالَ بَعضهم: مَا أحب أَنِّي مكفيٌّ وَأَنْ لي مَا بَين شَرق إِلَى غرب, قيل: وَلم؟ قَالَ: كَرَاهَة عَادَة الْعَجز.[46]
عالي الهمةِ يُرى منطلقاً بثقةٍ وقوةٍ وإقْدام, نحو غايتِه التي حدَّدَها على بصيرةٍ وعِلْم، فيقتحم الأهوال، ويستهين الصعاب على كلّ الأحوال..
إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومِ ... فَلا تَقنَعْ بما دونَ النّجومِ
عالي الهمة له نظامٌ يسير عليه, وهدفٌ يصبو إليه, ومنهجٌ لا يحيد عنه, ووقتٌ يَظِنُّ ويَبْخَلُ به, ونفسٌ لا تَسْعى إلَّا إلى تهذيبِها وكبحِ جماحِها, لا تنعِيْمِها وتلبيةِ رغباتِها.
والنَّفُسُ راغِبَةٌ إذا رَغَّبْتَها ... وإذا تُرَدُّ إلى قَلِيلٍ تَقْنَعُ
عالي الهمة تتقطّع نفسُه حسراتٍ على دقائق لم ينتفع بها, يرى أنّ وقتَه أغلى من إهدارِه بملاذّ الدنيا ومُتَعِها, ونفسُه أشرف من قناعتها بما دون الكمال.
كبيــرُ الهمــة لا يَنْقُضُ عَزْمَه, ويجعل قول الله تعالى نُصب عينيه: ﴿فإذا عزمت فتوكل على الله﴾.
ليس كحال الكثير مِن طلاب العلم, يعزم على أمرٍ ويمضي فيه, ثم تدعوه نفسُه إلى التراجع والتّوقف فيُطاوعها.
كبيــرُ الهمــة يرى أنّ "كلَّ عزيزٍ دخل تحت القدرة فهو ذليل, وأنّ مَن لم يقدّمه حزمٌ أخّره عجز".[47]
وإليك بعضَ الأمثلة على الهمم العالية:
كان الحافظُ الخطيب البغدادي رحمه الله, يمشي وفي يده جزءٌ يُطالعه.[48]
وقال ابن حِبَّان رحمه الله: لعلَّنا قد كتَبنا عن أكثرَ من ألفي شيخ.
قال الذهبي رحمه الله: كذا فلتكن الهمم، هذا مع ما كانَ عليه من الفقهِ والعربيَّةِ، والفضائل الباهرة، وكثرةِ التصانيف.[49]
وقال أبو حاتِمٍ الرازي رحمه الله لابنه عبدِ الرحمن: يا بنيَّ، مَشَيْتُ على قدمي في طلب الحديث أكثر من ألف فرسخ.[50]
والفرسخ يُعادل ستةَ كيلو مترات تقريبًا, أي أنه مشى على قدمَيه ما يُقارب ستة آلاف كيلو في طلب العلم.
الله أكبر, نحن لم نمش مثلها ولا أقلَّ منها على مراكبنا السريعة في طلب معالي الأمور, وهو يمشي هذه المسافات على قدمَيه! ولكنها الهمم التي كالجبال الشامخات.
وإذا كانت النفوسُ كِبارا ... تعبتْ في مُرادها الأجسامُ
خرج بعضُ السلف إلى البصرة, لِيَسأل عالِمًا عن آية يجهلُها, فلم يجد عنده فيها علما, فدلّه على عالمٍ من أهل الشام, فقدم إليه وسأله عنها.[51]
قارن بين حالِه وحال بعض طلاب العلم, تفاسيرُ العلماء منتشرةٌ في كل مكان, في المساجد والبيوت والجوالات, ولم يُكلّف نفسه الرجوعَ إليها إذا أشكلت عليه آيةٌ.
صاحب الهمة العالية لا يمنعه شيء من التشمير والجدّ في المطالعة والكتابة.
قال العلامةُ محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى عند تفسيره لإحدى الآيات:
وَقَدْ كُنْتُ كَتَبْتُ فِي مُذَكِّرَاتِي عَنِ الدَّرْسِ عِنْدَمَا تَقَدَّمَ "أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نُكْتَةٍ لِهَذَا التَّعْبِيرِ وَهِيَ".. وَتَرَكْتُ بَيَاضًا لِأَكْتُبَ فِيهِ مَا ظَهَرَ لِي مِنَ النُّكْتَةِ ثُمَّ نَسِيتُهُ إِلَى الْآنَ! ا.ه[52]
وقال أبو الفتح عثمان بن جنيّ: من طريف حديث هذا الخاطِر أنني كنت منذ زمان طويلِ رأيت رأيًا جمعت فيه بين معنى آيةٍ ومعنى قول الشاعر:
وكنت أمشي على رِجْلين معتدلاً ... فصرتُ أمشي على أخرى من الشجرِ
ولم أُثْبِتْ حينئذٍ شرحَ حالِ الجمعِ بينهما؛ ثقةً بحضوره متى استحضرتُه, ثم إني الآن - وقد مضى له سنون - أُعَان الخاطرَ وأفانِيِه وأتودّده على أن يسمح لي بما كان أَرانِيه من الجمع بين معنى الآية والبيت, وهو معتاصٌ متآبٌّ, وضَنينٌ به غيرُ مُعْطٍ. ا.ه[53]
وقد كان الأئمةُ والعلماء والْمُفكرون, يُدوّنون أفكارهم, ويُؤلّفون كتبهم, في أيّ مكانٍ كانوا فيه, فابن تيميّة رحمه الله ألّف كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول في سجنه.
والشنقيطي رحمه الله ألّف كتابه أضواء البيان في سفر الحج.
ومحمد رشيد رضا رحمه الله ألّف أجزاءً كثيرةً في سفره, حيث يقول في أحد المواضع: "وَلَوْلَا أَنَّنِي الْآنَ حِلْفُ أَسْفَارٍ ، لَا يَقِرُّ لِي فِي بَلَدٍ قَرَارٌ ، لَأَطَلْتُ بَعْضَ الْإِطَالَةِ".
بل إنّه يُؤلّف ويكتب حتى وهو في الباخرة! يقول رحمه الله مُعتذرًا عن رجوعه لمصادر التفسير: عَلَى أَنَّنِي كُنْتُ أَوَدُّ لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ جَمِيعُ كُتُبِ التَّفْسِيرِ الْمُعْتَبَرَةِ لِأُرَاجِعَ تَفْسِيرَ الْآيَةِ فِيهَا.
وذكر في الحاشية أنه يكتب وهو في الباخرة.
وابن القيم رحمه الله ألف كتابه "روضة المحبين ونزهة المشتاقين" في السفر وفي حال بعده عن كتبه.
وألف رسالته (التبوكية) وهو على الراحلة من حفظه، كما في مقدمتها.
قال في مقدمة الكتاب ( ص 12 ) : والمرغوب إلى من يقف على هذا الكتاب أن يعذر صاحبه فإنه علقه في حال بعده عن وطنه وغيبته عن كتبه .ا.هـ.
وألف كتابه زاد الـمـعـادِ فـي هـدي خـيـرِ الـعِـبـاد وهو في السفر كذلك.
قال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله تعالى في كتابه: " ابن قيم الجوزية " ( ص 261 ) : ومن المدهش أن هذا الكتاب أملاه مؤلفه رحمه الله تعالى وهو في حال سفره وغيبة عن داره ومكتبته, وقد تحدث عن ذلك في فاتحة الكتاب فقال : وهذه كلمات يسيرة لا يستغني عن معرفتها من له أدنى نعمة إلى معرفة نبيه صلى الله عليه وسلم وسيرته وهديه اقتضاها الخاطر المكدود على عُجرهِ وبُجرهِ مع البضاعة المزجاة ... مع تعليقها في حال السفر لا الإقامة والقلب بكل وادٍ منه شعبة والهمة قد تفرقت شذر مذر ... .ا.هـ.
وألف كتابه بـدائـع الـفـوائـد وهو في السفر كذلك.
حيث يقول في أحد المواضع: فليسامح الناظر فيها فإنها علقت عليَّ حين بعدي عن كتبي وعدم تمكني من مراجعتها . وهكذا غالب هذا التعليق إنما هو صيد خاطر . والله المستعان.
والإمام الكبير السرخسي رحمه الله أملى جزءًا من كتابه القيّم المبسوط وهو مسجون في الجب!
وهذا الإمام ابن الجزري رحمه الله يُؤلّف أجزاءً من منظومته: "الدرة المضية في القراءات الثلاث المرضية"
وقد صرح بأنّ الأعراب اعترضوا طريقه, ولم يتركوا له شيئًا, وقد قال في آخرها يصف محنته عند ما أسره الأعراب في بلاد نجد:
غَرِيْبَةُ أَوْطَانٍ بِنَجْدٍ نَظَمْتُهَا ... وَعُظْمُ اشْتِغَالِ الْبَالِ وَافٍ وَكَيْفَ لاَ
وَطَوَّقَنِي الأَعْرَابُ بِاللَّيْلِ غَفْلَةً ... فَمَا تَرَكُوا شَيْئًا وَكِدْتُ لأُقْتَلَا
فَأَدْرَكَنِيْ اللُّطْفُ الْخَفِيُّ وَرَدَّنِيْ ... عُنَيْزَةَ حَتَّى جَاءَنِي مَنْ تَكَفَّلَا
وهذا العلاّمة الألباني رحمه الله ألّف " مختصر صحيح مسلم " وهو في سجن الحسكة.
وهذا العلاّمةُ ابنُ الوزير رحمه الله يذكرُ أنّ الحافظ ابنَ حجر رحمه الله ألَّف أثناء سفره إلى مكّة مختصرًا بديعًا في علوم الحديث (يقصد: نخبة الفكر.).
وإلى هذا أشار الأمير الصنعاني رحمه الله في قصب السُّكَّر بقوله:
ألَّفَها الحافظُ في حال السَّفَرْ ... وهْو الشِّهابُ بنُ عليِّ بنِ حَجَرْ
فهؤلاء العلماء ألّفوا وكتبوا في السجون والأسفار, وفي البوادي والقفار, وعلى متون البواخر وسْط البحار! فما عذرنا ونحن على الكراسي مُتّكئون, وبين أهلنا مُتنعمون, وفي بلداننا آمنون؟
فمن الذي يَمْنعنا من الجدّ والمثابرة, وثني الركب على القراءة والمدارسة؟
صاحب الهمة العالية لا يقنع بما دون الجنة.
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: كانت لي نفسٌ تَوَّاقة, فكنت لا أنال منها شيئاً إلا تاقت إلى ما هو أعظم, فلما بَلَغَتْ نفسي الغاية, تاقت إلى الآخرة.
وقيل للعتّابيِّ رحمه الله: فلانٌ بعيدُ الهمة. قال : إذن لا يكون له غايةٌ دون الجنة.
عظيمُ الهمّةِ لا تمنعه عن الوصول إلى القمّة, إعاقةٌ ولا فقرٌ ولا كِبَر, فالكثير من العظماء بلغوا الغاية في الشرف والنُّبل, وهم مُبتَلَون بِإِحْدَى هذه الصفات أو كُلِّها.
بل إنّ عاليَ الهمة لا يقف عن طلب معالي الأمور, ولو كان على فراش الموت.
دخلوا على سفيان الثوري رحمه الله في مرضه الذي مات فيه, فحدثه رجلٌ بحديث فأعجبه, فأخرج ألواحاً له فكتب ذلك الحديث.[54]
أين نصيبك من الهمة يا طالب العلم, كم أمضيتَ في العلم وأنت لا تزال تزحف فيه زحفًا, يومًا تنشعل بالسّفريّات, ويومًا تنشغل بالتقنيات, وأوقاتًا كثيرةً تُضيّعها بالقيل والقال مع الأصحاب والأقارب.
واعلم أن من أعظم أسباب نيل الهمَّة ما يلي:
أولا: توفيقُ الله تعالى وإعانتُه, فاطلب الهِمَّةَ من الْمُعينِ الكريم, فلن تنال التوفيق إلا منه, ولن تبلغ الْمجد إلا بعنايتِه سبحانه.
فأكثر من دُعاء الله تعالى وسؤاله أنْ يُلهمك الهمة العالية.
ثانيًا: التّفكرُ في شَرَفِ ما تَطْلُبُه وتَسْعى إليه.
قال بعضُ السلف: من عرف ما يَطلب, هان عليه ما يَبذل.[55]
ثالثًا: مُصاحبةُ أصحاب الهمم العالية, والنظر في سيرهم وأخبارِهم, والبعدُ عن أصحاب الهمم الدنيّة أو الْمُثبّطة.
ولذلك قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي المَالِ وَالخَلْقِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ».[56]
ومفهومه[57]: إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فَضُلَ عَلَيْهِ فِي العلم والدينِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَعلا مِنْهُ».
فقد أوصانا إمامُنا وحبيبُنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذه الوصية العظيمة, التي لو عملنا بها, لَحصَّلْنا خيري الدنيا والآخرة, فإذا نظرنا إلى من هو أقل منَّا في أمور الدنيا: شكرنا الله على نعمتِه وقَنِعْنَا بِمَا عندنا, وإذا نظرنا إلى من هو أعلا منَّا في الدين والأخلاق, علت همَّتُنا بأن نكون مثلهم أو أحسن منهم.
رابعًا: وضعُ خطةٍ تَسير عليها, وأهدافٍ واضحةٍ تتطلّع إليها, وتُحاسب نفسك عند عدم التقيّد بها.
خامسًا: عدمُ الانصياع وراء النفس الأمارة بالسوء, فاحذر أنْ تُجيبها إلى الدّعة والراحة.
والنفسُ كالطفلِ إنْ تهملهُ شَبَّ على ... حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِم
وتأمل في حال نبيِّ الله يوسفَ عليه الصلاة والسلام, هل يُمكن أنْ يصل إلى ما وصل إليه من المكانة والرفعة, وتخليدِ ذكره, لو وافق مرادَ امرأةِ العزيز, وهي تدعوه إلى مُواقعتها, وهي بكامل زينتها وشرف منصبِها؟
سادسا: المجاهدة والصبر: فجاهدْ نفسَك وألْزِمْها بلوغَ الغايات, وأعالى المقامات, وعدمَ الرضا بالدُّوْن، وكُلَّما جاهدتَّ نفسك في بلوغ القِمَمِ بَلَغْتَها بحول الله تعالى, وقد وعد الله تعالى ومن أصدق من الله قِيْلاَ, الهدايةَ لِمَنْ جاهد وصابر, (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت: 69).
قال ابن الجوزي رحمه الله: من تذكر حلاوة العاقبة نسي مرارة الصبر. ا.ه
ولن تنال المعالي والمجد إلا بالصبر والمصابرة.
فَمن لم تُبَلِّغْهُ الْمَعَالِيَ نَفْسُهُ ... فَغَيْرُ جديرٍ أَنْ يَنَالَ الْمَعَالَيَا
ووالله لن تبلغ المنازل الشريفة، ولن تنال المطالب العالية، ولن تتحلى بالأخلاق العالية، ولن تتخلص من الأخلاق الدنيّة، ولن تتغلب على هواك، ولن نتال مُناك، ولن ترضي مولاك إلا بالصبر.
قال ابن تيمية رحمه الله: لم ينل أحدٌ شيئًا من جسيم الخير ــ نبيٌّ فمَن دونه ــ إلا بالصبر.[58] ا.ه
وصدق النبي ﷺ: ما أعطي أحد عطاء هو خير وأوسع من الصبر».
ومن أعظم المجاهدة: إلزامُ النفسِ تغييرَ طبعِها إلى ما هو أفضل, ولنْ تَشُمَّ رائحةَ الهمّةِ والتوفيقِ والمجد وأنت مُسْتَسْلِمٌ لطبعك, أسيرُ عاداتك ونشأَتِك.
فكن رجلاً رِجْلُه في الثَّرى ... وهَامَةُ هِمَّتِه في الثُّرَيَّا
فاحرص على أنْ تُلزم نفسك وتُكرهها على تطبيق كلِّ ما ينفع ويُفيد, وقل لنفسك: سأعمل وأطبق ما أراه مفيداً ونافعاً لي, وسأترك ما يضرُّني أو لا ينفعني, وستنقاد نفسُك لك مع مرور الأيام مُرغَمَةً ومُنقادةً بشكلٍ عجيب.
واجعل من منهجك: أنْ تُغيِّرَ وتطوِّر نفسك, فتَغْيِيْرُ الطباع صعبٌ جدًّا إلا من عوَّد نفسه التغيير والتطوير, دون تسويف أو تأخيرٍ.
ولهذا قيل: أحزم الناس من إذا وَضَحَ له الأمرُ صَدَع فيه، قال تعالى: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)".[59]
"فَالْفَوْزُ وَالْفَلَاحُ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْعِلْمِ الصَّحِيحِ وَالْعَزِيمَةِ الْحَافِزَةِ إِلَى الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ ، فَمَنْ خَسِرَ إِحْدَى الْفَضِيلَتَيْنِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَسِرَ نَفْسَهُ سَوَاءً كَانَ فَرْدًا ، أَوْ أُمَّةً ، فَمَا بَالُ مَنْ خَسِرَهُمَا كِلْتَيْهِمَا وَالْعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى".[60]
واعلم أنّ العلم إذا لم يُحدث فيك هذا الأمر فليس بعلم نافع.
قال الشاطبي رحمه الله تعالى: "الْعِلْمُ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ الْمُعْتَبَرُ شَرْعًا -أَعْنِي الذي مدح الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أَهْلَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ- هُوَ الْعِلْمُ الْبَاعِثُ عَلَى الْعَمَلِ، الَّذِي لَا يُخلي صَاحِبَهُ جَارِيًا مَعَ هَوَاهُ كَيْفَمَا كَانَ، بَلْ هُوَ الْمُقَيِّدُ لِصَاحِبِهِ بِمُقْتَضَاهُ، الْحَامِلُ لَهُ عَلَى قَوَانِينِهِ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا". ا.ه[61]
واعلم أنَّ مِن أسباب توفيق الله تعالى لطالب العلم, وتَمكِيْنِه في طلب العلم ما يلي:
أ- الإخلاص لله عز وجل, بأن يكون قصده بطلب العلم وجه الله والدار الآخرة ، وذلك لأنَّ طلب العلم الشرعي عبادة, والعبادة لا بدّ من الإخلاص فيها لله عز وجل كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
وفي صحيح مسلم عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: سمعت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: " إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ ".
والأدلة والشواهد كثيرةٌ جدًّا, فاحذر أن تتلوث نيتُك بشيءِ من حُطام الدنيا, كحب الظهور، والتفوق على الأقران، وجعلِه سُلَّمًا لِمُتع ومناصب الدنيا، من جاهٍ أو مالٍ, أو سمعةٍ، أو صرفِ وجوه الناس إليك، فإن هذه وأمثالها إذا شابت النية أفسدتها، وأذهبت بركة العلم.
ب- العمل بالعلم, وهذا هو الغاية من العلم وثمرته.
وقد اشتد إنكار السلف على من قدَّم العلم على العمل, أو قدم العمل على العلم, بل هما متلازمان, فثمرةُ العلم العمل.
قال سُفيان الثوري رحمه الله: ما بلغني عن رسول الله حديثٌ قَطُّ إلا عملتُ به ولو مَرَّة.
وقال أيضاً رحمه الله: يَهتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلاّ ارتحل.
وسئل سفيان الثوري رحمه الله: طلب العلم أحب إليك يا أبا عبد الله أو العمل؟ فقال: إنما يراد العلم للعمل, لا تدع طلب العلم للعمل, ولا تدع العمل لطلب العلم.[62]
ج- تعظيم الدين حقَّ التعظيم, وعدم المحاباة والمداهنة أبداً, والنفرة من المعاصي والذنوب, فإنَّ للمعاصي أثرًا كبيرًا في نسيان العلم، فالعلم نورٌ يُضيءُ القلب, والمعصية تطفئ ذلك النور, قال رجل للإمام مالك: "يا أبا عبد الله، هل يصلح لهذا الحفظ شيء ؟ قال: إن كان يصلح له شيء، فترك المعاصي".
قال ابن القيم رحمه الله في كتابه البديع (أعلام الموقعين: 2/571): وَالْمُعَوَّلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى حُسْنِ النِّيَّةِ , وَخُلُوصِ الْقَصْدِ , وَصِدْقِ التَّوَجُّهِ فِي الِاسْتِمْدَادِ مِنْ الْمُعَلِّمِ الْأَوَّلِ, مُعَلَّمِ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ - ; فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ مَنْ صَدَقَ فِي التَّوَجُّهِ إلَيْهِ لِتَبْلِيغِ دِينِهِ وَإِرْشَادِ عَبِيدِهِ وَنَصِيحَتِهِمْ وَالتَّخَلُّصِ مِنْ الْقَوْلِ عَلَيْهِ بِلَا عِلْمٍ , فَإِذَا صَدَقَتْ نِيَّتُهُ وَرَغْبَتُهُ فِي ذَلِكَ لَمْ يَعْدَمْ أَجْرًا إنْ فَاتَهُ أَجْرَانِ..
وَكُلَّمَا بَعُدَ عَنْ اللَّهِ كَثُرَتْ عَلَيْهِ الْمُعَارَضَاتُ , وَضَعُفَ نُورُ كَشْفِهِ لِلصَّوَابِ ; فَإِنَّ الْعِلْمَ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ , يُفَرِّقُ بِهِ الْعَبْدُ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالصَّوَابِ. ا.ه
د- الدعاء ، والإدمانُ عليه, فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كان إذَا أَشْكَلَتْ عَلَيْهِ الْمَسَائِلُ يَقُولُ " يَا مُعَلِّمَ إبْرَاهِيمَ عَلِّمْنِي " وَيُكْثِرُ الِاسْتِعَانَةَ بِذَلِكَ..
هـــ- التدرج في طلب العلم, وقد تقدم ذكره.
و- الصبر والثبات والمجاهدة.
لا تحسِب المجدَ تَمراً أَنت آكِلُه ... لن تِبْلُغَ المجدَ حتى تلعَقَ الصَّبِرا
ز: حفظ الوقت والعنايةُ به, وطالب العلم ينبغي أنْ يكون أحرص الناس على الاهتمام بالوقت, وعدم تضييع جزءٍ منه بلا منفعةٍ.
والوقت أنفس ما عُنيت بحفظه.... وأراه أسهل ما عليك يضيعُ
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم -رحمه الله-: كنا بمصر سبعة أشهر، لم نأكل فيها مرقة، كل نهارنا مقسم لمجالس الشيوخ، وبالليل: النسخ والمقابلة.
قال: فأتينا يوما أنا ورفيق لي شيخا، فقالوا: هو عليل، فرأينا في طريقنا سمكة أعجبتنا، فاشتريناها، فلما صرنا إلى البيت، حضر وقت مجلس، فلم يمكنا إصلاحه، ومضينا إلى المجلس، فلم نزل حتى أتى عليه ثلاثة أيام، وكاد أن يتغير، فأكلناه نيئا، لم يكن لنا فراغ أن نعطيه من يشويه.
ثم قال: لا يستطاع العلم براحة الجسد.[63]
وبعض طلاب العلم لم يجد وقتًا للقراءة والحفظ لانشغاله بالسفريات أو الاجتماعات والجَلَسات, وانْهِمَاكه بأنواع الأكلات, وكثرة نومِه, وانشغاله بالكماليات ونحوها.
قال ابن الجوزي - رحمه الله -: يا من أنفاسه محفوظة، وأعماله ملحوظة أينفق العمر النفيس في نيل الهوى الخسيس؟! ا.ه[64]
والوقت هو الحياة، فما الأيام إلا صفحاتٌ في كتاب حياتنا، وما الساعات في تلك الأيام, إلا كالأسطر في صفحاتها، التي سرعان ما تَخْتِمُ الصفحةَ حتى ننتقلَ إلى صفحةٍ أخرى, وهكذا حتى تنتهيَ صفحاتُ كتاب العمر.
وبقدر ما نحسن تقليب صفحات أيامنا تلك, نحسن الاستفادة من كتاب حياتنا.
ولا شك أن إدراك الإنسان لقيمة وقته, ليس إلا إدراكًا لوجوده وإنسانيته, ووظيفته في هذه الحياة الدنيا، وهذا لا يتحقق, إلا باستشعاره للغاية التي من أجلها خلــقه الله عــز وجل.
والوقت ليس كالمال الذي يُمْكِنُنا ادّخاره، أو تعويضُ ما يُصرف منه, فهو يمر سريعاً, سواءٌ أحسنا استغلاله أو أسأنا.
والْمُشكلة عندنا ليس من قلّة الوقت, بل من عدم تنظيم الوقت, وعدم وجود النية الصادقة في اسْتغلاله وتنظيمِه.
وحُسنُ تنظيم الوقت, هو الفارقُ بين طالب العلم الناجح والْمخفق.
وإنّ من الحرمان أنْ يُضيع طالبُ العلم وقته الثمين, الذي هو عمره وحياتُه, بين جلَساتٍ طويلةٍ مع الأصحاب, أو لهوٍ وأكل في الاستراحات, أو سياحةٍ أو صيدٍ أو نحو ذلك.
قال ابن حجر -رحمه الله-: إنني لأتعجب ممن يجلس خالياً عن الاشتغال! ا.ه[65]
وحُقّ له أن يتعجب, فكيف يرضى العاقل أنْ يقضي وقتًا بدون شغل ينفعُه في دينِه أو دُنياه!
قال ابن الجوزي - رحمه الله -: ولقد شاهدت خلقًا كثيرًا لا يعرفون معنى الحياة: فمنهم من أغناه الله عن التكسب بكثرة ماله، فهو يقعد في السوق أكثر النهار، ينظر إلى الناس، وكم تمر به من آفة ومنكر! ومنهم من يخلو بلعب الشطرنج! ومنهم من يقطع الزمان بكثرة الحديث عن السلاطين، والغلاء والرُّخْص، إلى غير ذلك.
فعلمتُ أنَّ الله تعالى لم يُطْلِعْ على شرف العمر, ومعرفةِ قدر أوقات العافية, إلا من وفَّقه وأَلْهَمَهُ اغتنام ذلك, ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. ا.ه[66]
إنّ عُظماءَ الهمّة كانوا أحرص الناس على أوقاتهم, وأحرسهم له من قاطعي الطريق والبطالين, فهذا الإمامُ ابن عقيل رحمه الله يقول: (إني لا يحل لي أن أضيع ساعةً من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرةٍ ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أَعْمَلْتُ فكري في حالة راحتي وأنا مُسْتَطْرِح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أُسَطِّرُه).
وهذا الإمام ابن الجوزي رحمه الله, يصف حاله حين قعوده مع أضيافه: ثم أعددتُ أعمالاً لا تمنع من المحادثة، لِأَوقاتِ لِقَائِهِمْ؛ لئلاً يمضي الزمان فارغاً.
فجعلت من الاستعداد للقائهم, بريَ الأقلام وحزمَ الدفاتر، فإنَّ هذه الأشياء لابد منها, ولا تحتاج إلى حضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم، لئلا يضيع شيء من وقتي! ا.ه[67]
وهذا إمام الزمان, شيخُ الإسلامِ ابنُ باز رحمه الله تعالى, كان مُعَدَّلُ نومه لا يزيد في اليوم والليلة على أربع ساعات، ويقضي عشرين ساعةً في العبادةِ والتعليم وكشف الكرب, والنصح والوعظ والفتوى, وإكرامِ الضيوفِ والإصلاح والشفاعة.
ومع كل هذه الأعمال الكبيرة, التي نعجز عن عُشْرِها إلا من شاء الله, كان لا يشتكي ضيقَ الوقت كحالنا مع قلّة أشغالنا, لأنه اسْتطاع تنظيمَ وترتيبَ وقته, ولا أدلَّ على ذلك, مِن حفظه ألفيةَ العراقيِّ وهو يتوضأ، حيث كان يُسْكَبُ عليه الماءُ فيتوضأ، وآخر يقرأ عليه من الألفية, فيحفظ بيتاً أو بيتين, إلى أن انتهت الألفية، وحفظ بهذه الطريقة كتباً أخرى، بل كان إذا سافر أمر من بجانبه أنْ يقرأ عليه كتابًا.
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم.
وإنّ لحفظ الوقت أسبابًا يجبُ العنايةُ بها:
أولها وهو أهمّها: شعورُ الإنسان بالْغايةِ من وجوده, وأنه ما خُلق عبثًا, بل خُلق ليزرع الخير والبرّ؛ لِيَحصده يوم الحصاد الأكبر.
فكلّ عاقلٍ يسعى لعملٍ يُدرّ عليه مالاً, وإذا سألته لماذا تعمل؟ قال: لِكي أُؤَمِّن مُسْتقبلي وحياة أبنائي.
وقد أصاب في ذلك, ولكن, أليس تأمينُ المستقبلِ الأصليِّ أولى, وتأمينُ الحياةِ الباقيةِ الخالدةِ أهمّ؟
قال ابن القيم -رحمه الله-: كل نَفَسٍ من أنفاس العمر جوهرةٌ نفيسةٌ, فإضاعة هذه الأنفاس خسرانٌ عظيم, لا يسمح بمثله إلا أجهلُ الناس, وأَحْمَقُهُمْ وأَقَلُّهُمْ عقلا.
وإنما يظهر له حقيقةَ هذا الخسران يوم التغابن: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾. ا.ه[68]
ثانيها: أنْ يكون للإنسان هدفٌ يسعى إليه, ونظامٌ وخطّة يسير عليها.
ثالثها: أنْ يُصاحبَ أصحابَ الهمة والعزيمة, ويُكثرَ من القراءةِ والمطالعةِ في الفنّ الذي يميل إليه.
وكثيرًا ما يُحسن الشيطان لطالب العلم مُجالسة غيره من طلبة العلم, والإكثار من ذلك؛ بحجة الاستفادة منه, أو التباحث والنقاش, ولذلك أوصى بعض السلف أصحابه فقال: "إذا خرجتم من عندي فتفرقوا لعل أحدكم يقرأ القرآن في طريقه، ومتى اجتمعتم تحدثتم".[69]
قال بعض السلف: "شتان بين أقوام موتى تحيا القلوب بذكرهم، وبين أقوام أحياء تموت القلوب بمخالطتهم".[70]
قال ابن الجوزي رحمه الله: "ما يكاد يحب الاجتماع بالناس إلا فارغ؛ لأنَّ المشغولَ القلب بالحق تعالى يفر من الخلق، ومتى تمكن فراغ القلب من معرفة الحق تعالى امتلأ بالخلق، فصار يعمل لهم، ومن أجلهم، ويهلك بالرياء ولا يعلم". ا.ه[71]
وقال رحمه الله: "اعلم أن الزمان أشرف من أن يضيع منه لحظة: فإن في "الصحيح" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: "من قال: سبحان الله العظيم وبحمده؛ غرست له بها نخلة في الجنة".[72]
فكم يُضيِّعُ الآدميُّ من ساعاتٍ يَفُوتُه فيها الثواب الجزيل!
وهذه الأيام مثل المزرعة، فكأنه قيل للإنسان: كلما بذرت حبة، أخرجنا لك ألف كرّ[73]، فهل يجوز للعاقل أن يتوقف في البذر ويتوانى؟!
والذي يعين على اغتنام الزمان: الانفراد والعزلة مهما أمكن، والاختصار على السلام أو حاجةٍ مهمة لمن يَلقى، وقلة الأكل؛ فإن كثرته سبب النوم الطويل وضياع الليل، ومن نظر في سير السلف وآمن بالجزاء بان له ما ذكرتُه.". ا.ه[74]
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله من حيل الشياطين على الإنسان: أن يُشْغلوه بالطَّاعَاتِ الْمَفْضُولَةِ, لِيَشْغَلُوهُ بِهَا, عَنْ الطَّاعَاتِ الْفَاضِلَةِ الْكَثِيرَةِ الثَّوَابِ, فَيُعْمِلُ حِيلَتَهُ فِي تَرْكِهِ كُلَّ طَاعَةٍ كَبِيرَةٍ نافعة, إلَى مَا هُوَ دُونَهَا وأقلَّ منها, فيأمُرُه بفعل الخير المفضول, ويحثُّه عليه, ويُحَسِّنه له, حتى يدعَ ما هو أفضلُ وأعلى منه.
قال رحمه الله: وقلَّ من يتنبه لهذا من الناس, ولم يصل علمُه إلى أنَّ الشيطان, يأمر بسبعين باباً من أبواب الخير, إما ليتوصَّل بها إلى بابٍ واحد من الشر, وإما ليفَوِّت بها خيراً أعظمَ, وأجلَّ وأفضل من تلك السبعينَ باباً. ا.ه كلامه رحمه الله. ا.ه[75]
فتأمل يا طالب العلم, كيف أن الشيطان الرجيم يحثُّك على أبوابٍ كثيرةٍ من الخير والبر, ليتوصَّل من خلالها إلى بابٍ من الشرّ.
نسأل الله تعالى, أنْ يجنبنا مكائدَ الشيطان ووساوسَه, وحيَلَهُ ومكره, إنه سميعٌ قريبٌ مجيب.
ومن أسباب قلَّةِ تحصيل العلم, مع طول الزمن في الطلب ما يلي:
أ- ضعف الإخلاص, أو وجود أمراض القلب.
ب- ضعف الهمة والإرادة, وعدم التضحية في سبيل نيل العلم الشريف.
ج- قلة الاهتمام بالقرآن الكريم, الذي هو أساس العلم وأصلُه.
د- المعاصي والذنوب الظاهرة والباطنة.
هــ- عدم وضوح الهدف.
و- قلَّةُ القراءة والبحث, والاكتفاء بالشيوخ.
ومِمَّا ينبغي أنْ يحذر منه طالب العلم: الْمُبالغةُ في العناية بالقلب والسلوك على حساب اكْتِسَابِ وتحصيل العلم, فإنّ الشيطان يفتح للإنسان بابَ خيرٍ لِيَصدّه عن أبوابٍ أعظم وأشرف منه.
قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: تأملتُ العلم والميل إليه والتشاغل به ، فإذا هو يُقويّ القلب قوةً تميل به إلى نوع قساوة, ولولا قوة القلب وطول الأمل لم يقع التشاغل به.
فإني أكتب الحديث أرجو أن أرويه ، وأبتدئ بالتصنيف أرجو أن أتمه ، فإذا تأملت باب المعاملات[76] قلّ الأمل ، ورق القلب ، وجاءت الدموع ، وطابت المناجاة , وغشيت السكينة ، وصرتُ كأني في مقام المراقبة!
إلا أنَّ العلمَ أفضلُ وأقوى حُجَّة ، وأعلى رُتْبة ، وإنْ حَدَث منه ما شكوتُ منه.
والمعاملة وإن كثرت الفوائد التي أشرتُ إليها منها ، فإنها قريبةٌ إلى أحوال الجبان الكسلان, الذي قد اقتنع بصلاح نفسه عن هداية غيره ، وانفرد بعزلته عن اجتذاب الخلق إلى ربهم.
فالصواب العكوفُ على العلم مع تلذيع النفس بأسباب المرققات تلذيعاً لا يقدح في كمال التشاغل بالعلم". ا.ه[77]
***
الثاني