المقصودُ الأسمى من العلم هو العمل به, وإذا لم يَنْتَفع طالب العلم من علمه فغيرُه أبعدُ من الانتفاع به.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: الْخَيْرُ وَالسَّعَادَةُ وَالْكَمَالُ وَالصَّلَاحُ مُنْحَصِرٌ فِي نَوْعَيْنِ : فِي الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ. ا.ه[96]
ومن جمع المعلومات، وأكثر من المحفوظات ثم لم يعمل بها فإنما يستكثر من حجج الله عليه, فعن عطاء رحمه الله قال: "كان فتى يختلف إلى أم المؤمنين عائشة، فيسألها وتحدثه، فجاءها ذات يوم يسألها فقالت: يا بني هل عملت بعد ما سمعت مني؟ فقال: لا والله يا أمه، فقالت: يا بني فبما تستكثر من حجج الله علينا وعليك؟"[97]
إذا العلم لم يُعمل به كان حـجةً ... عليك ولم تعذر بما أنت حاملُ
فإن كنت قد أبصرت هذا فإنمـا ... يُصدِّقُ قـول المرء ما هو فاعلُ
قال بعض السلف: "الَّذِي يَفُوقُ النَّاسَ فِي الْعِلْمِ جَدِيرٌ أَنْ يَفُوقَهُمْ فِي الْعَمَلِ".[98]
والعملُ بالعلم هو المقصود والغاية من تعلمك, فاقرأ وتعلم بنية أنك ستعمل وتطبق.
قال أبو قلابة رحمه الله: إذا أحدث الله عز وجل لك علماً فأحدِثْ له عبادة.[99]
والعمل بالعلم من أعظم أسباب بركة العلم وزيادتِه, قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.
وَحُسْنُ الْقَصْدِ مِنْ أَعْوَنِ الْأَشْيَاءِ عَلَى نَيْلِ الْعِلْمِ وَدَرْكِهِ.
وَالْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ مِنْ أَعْوَنِ الْأَشْيَاءِ عَلَى حُسْنِ الْقَصْدِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ, فَإِنَّ الْعِلْمَ قَائِدٌ وَالْعَمَلَ سَائِقٌ ، وَالنَّفْسَ حَرُونٌ , فَإِنْ وَنَى قَائِدُهَا لَمْ تَسْتَقِمْ لِسَائِقِهَا , وَإِنْ وَنَى سَائِقُهَا لَمْ تَسْتَقِمْ لِقَائِدِهَا , فَإِذَا ضَعُفَ الْعِلْمُ حَارَ السَّالِكُ وَلَمْ يَدْرِ أَيْنَ يَسْلُكُ , فَغَايَتُهُ أَنْ يستطرح لِلْقَدَرِ , وَإِذَا تَرَكَ الْعَمَلَ حَارَ السَّالِكُ عَنْ الطَّرِيقِ فَسَلَكَ غَيْرَهُ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ تَرَكَهُ , فَهَذَا حَائِرٌ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَسْلُكُ مَعَ كَثْرَةِ سَيْرِهِ , وَهَذَا حَائِرٌ عَنْ الطَّرِيقِ زَائِغٌ عَنْهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ. ا.ه[100]
واعلم أنَّ طلب العلم الشرعىّ ليس هدفُه مجردَ العلم بحكم الله تعالى وحكم رسوله؛ لأن هذا يحصل من المؤمن والكافر ، والبر والفاجر ، ولذلك ترى الكفار من المستشرقين ونحوهم الذين درسوا الفقه الإسلاميّ عندهم من علم الفقه ما ليس عند كثير من المسلمين.
بل المقصود من العلم العمل ، وكل علمٍ لا يُنتج عملا وتقوى وخشية فهو وبالٌ على صاحبه ؛ لأن ما تتعلَّمه ولا تعمل يُؤدِّي بك ذلك إلى أنْ تَكون أوَّلَ من يُعذَّب بالنار والعياذ بالله كما قال الناظم :
وعالمٌ بعلمه لم يعملن ... معذب من قبل عباد الوثن
فالعلم سلاحٌ إما لك أو عليك.
ومن الملاحظ أن الله تعالى يفتح على بعض طلاب العلم فتحًا عظيمًا في العلم والتأليف؛ ولو أنْعمتَ النظر في سبب ذلك لوجدته العمل بالعلم, فإن الله تعالى يُبارك لطالب العلم بقدر عمله بعلمه, قال شيخ الإسلام رحمه الله: "وَالْمُسلم الصَّادِق إِذا عبد الله بِمَا شرع فتح الله عَلَيْهِ أنوار الْهِدَايَة فِي مُدَّة قريبَة". ا.ه[101]
وقد ثبت في حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه فِي الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ هُمْ أَوَّلُ مَنْ تُسعَّر بِهِمُ النار يوم الْقِيَامَةِ، قَالَ فِيهِ: "وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ". رواه مسلم[102]
قال بعضُ السلف: "إِنَّمَا أَخَافَ أَنْ يُقال لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَعَلِمْتَ أَمْ جَهِلْتَ؟ فَأَقُولُ: عَلِمْتُ. فَلَا تَبْقَى آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ آمِرَةٌ أَوْ زَاجِرَةٌ إِلَّا جَاءَتْنِي تَسْأَلُنِي فَرِيضَتَهَا، فَتَسْأَلُنِي الْآمِرَةُ: هَلِ ائْتَمَرْتَ؟ وَالزَّاجِرَةُ: هَلِ ازْدُجِرْتَ؟ فَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ.
وَقَالَتِ الْحُكَمَاءُ: "مَنْ حَجب الله عنه العلم؛ عذَّبه به عَلَى الْجَهْلِ، وَأَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا مَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ الْعَلَمُ فَأَدْبَرَ عَنْهُ، وَمَنْ أَهْدَى اللَّهُ إِلَيْهِ عِلْمًا فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ".[103]
وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رضي الله عنه: "اعْلَمُوا مَا شِئْتُمْ أَنْ تَعْلَمُوا؛ فلن يأجُركم الله بعلمه حتى تعملوا".[104]
قال الشاطبي رحمه الله تعالى: " وَكُلُّ ذَلِكَ يُحقق أَنَّ الْعِلْمَ وَسِيلَةٌ مِنَ الْوَسَائِلِ، لَيْسَ مَقْصُودًا لِنَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ النَّظَر الشَّرْعِيّ، وَإِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى الْعَمَلِ، وَكُلُّ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ فَإِنَّمَا هُوَ ثَابِتٌ لِلْعِلْمِ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ مُكَلَّفٌ بِالْعَمَلِ بِهِ..
نَعَمْ، قَدْ يَكُونُ الْعِلْمُ فَضِيلَةً، وَإِنْ لَمْ يَقَعِ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى الْجُمْلَةِ، كَالْعِلْمِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَالْعَوَارِضِ الطَّارِئَةِ فِي التَّكْلِيفِ، إذا فُرض أنها لم تقع في الْخَارِجِ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ بِهَا حَسَنٌ، وَصَاحِبُ الْعِلْمِ مُثابٌ عَلَيْهِ وَبَالِغٌ مُبَالِغَ الْعُلَمَاءِ". ا.ه[105]
وذكر رحمه الله بعض الأدلة الدَّالة على أهميّة وضروة عمل العالم وطالب العلم بعمله, ومنها: "أَنَّ الْمُنْتَصِبَ لِلنَّاسِ فِي بَيَانِ الدِّينِ مُنْتَصِبٌ لَهُمْ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ؛ فَإِنَّهُ وَارِثُ النَّبِيِّ، وَالنَّبِيُّ كَانَ مُبَيِّنًا بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ؛ فَكَذَلِكَ الوارث لا بد أَنْ يَقُومَ مَقَامَ الْمَوْرُوثِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ وَارِثًا عَلَى الْحَقِيقَةِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصَّحَابَةَ -رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ- كَانُوا يَتَلَقَّوْنَ الْأَحْكَامَ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَإِقْرَارَاتِهِ وَسُكُوتِهِ وَجَمِيعِ أَحْوَالِهِ؛ فَكَذَلِكَ الْوَارِثُ". ا.ه[106]
ومن العجيب أنّ الصحابة -رضي الله عنهم- ربما توقفوا عن الفعل الذي أباحه لهم حبيبهم وقدوتُهم -عليه الصلاة والسلام- بل وربما أمر به! وما إنْ يفعل ذلك حتى يُسارعوا ويُبادروا إلى الامتثال, فقد ثبت عند البخاري من حديث المسور بن مخرمة ومروان - في ذكر ما جرى في صلح الحديبية- وفيه: "فلما فرغ من قضية الكتاب؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأصحابه: "قوموا فانحروا ثم احلقوا"، قال: "فوالله ما قام منهم رجل"؛ حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله, أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك؛ نحر بدنه، ودعا حالقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا..".
قال الشاطبي: "هَذَا وَكُلٌّ صحيح؛ فما ظنك بمن لَيْسَ بِمَعْصُومٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ؟ فَهُوَ أَوْلَى بِأَنْ يُبَيِّنَ قَوْلَهُ بِفِعْلِهِ، وَيُحَافِظَ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى كُلِّ مَنِ اقْتَدَى بِهِ". ا.ه[107]
فلو أنّ العالم تكلم كثيرًا عن الثبات عند المحن, والصدع بالحق, لَمَا كان لذلك وقعٌ في نفوس الناس وطلابِه كما لو فعل ذلك بنفسه, وشاهدوا ثباته وصدعه بالحق, وعدم مُداهنته لأحد.
وينبغي أنْ يكون لك- يا طالب العلم- أورادٌ يومية لا تتنازل عنها أبداً, كقراءة القرآن, وقيام الليل, وأذكار الصباح والمساء.
واحرص على الجلوس في المسجد بعد الفجر حتى شروق الشمس, فهو وقتٌ مُباركٌ.
قال ابن القيم رحمه الله: حضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرةً صلى الصبح, ثم جلس يذكر الله إلى قريبٍ من منتصف النهار ، ثم التفت إليَّ وقال : هذه غدوتي, ولو لم أتغد سقطت قوّتي.
وعمل ابن القيم بهذا بعد ذلك, كما ذكره ابن كثير رحمه الله.
وخذ هذه القاعدة لعلّ الله تعالى أن ينفعك بها كما انتفعَ بها كلّ من طبّقها بعون الله: اعمل بقدر ما عندك من العلم, ولا تنتظر حتى ترسخ فيه.
وإذا أخذت بهذا النهج: فإنه يُحفزك على القيام بتزكية علمك, وأنْ تعتلي المنابر وأنْ تصنف بقدر العلم الذي حصلت عليه, وأنت ترى بعض المشايخ عنده عشرات المصنفات وهو أقلّ علمًا من بعض أقرانه, وما ذاك إلا لأنه لم يتصاغر نفسَه, وأحس بالمسؤولية تجاه نفسه وأمّته, فبذل ما يستطيع, فانتفع بذلك هو وغيره نفعًا عظيمًا.
الرابع