وطالبُ العلم الْمُبتدئُ لا يستغني عن الشيخ الثقة الورع, ولكنَّ لا ينبغي الإكثارُ من الدروس العلمية على حساب القراءة والبحث, فالتوازن مطلوب.
فقد رأينا كثيراً مِمَّن يُكثر من الدروس العلمية: أصبحت هذه الدروس عادةً عنده, وقد صارحني بعضُهم بأنهم يحضرون إمَّا مُجاملةً للشيخ, وإما لنيل البركة, وإمَّا لأنه اعْتاد هو وزملاؤه عليها فلا يُمكن له أنْ يدعها أو يدع بعضها ليتفرغ للقراءة ونحوه.
والمشكلة أنَّ هؤلاء لا تربطهم علاقةٌ متينةٌ بالكتب, بل علمهم محصورٌ على ما يتلقّونه من شيخهم.
فلو قلَّل الشيخ من دروسه, وألزم طلابه بقراءة كتبٍ - على وجه التدرج - ثم مُناقشة ما قرؤوه, وأَخْذِ ما عندهم من الفوائد والمسائل والترجيحات: لكان أنفع وأفضل.
2- إيراد الأسئلة أو الاعتراضات أو الإشكالات ليس علامةً على قوة ونبوغ الطالب, بل الغالب على أمثال هؤلاء أنهم يمتلكون ثقافةً لا مَلَكة.
قال الشاطبي رحمه الله تعالى: الْإِكْثَارُ مِنَ الْأَسْئِلَةِ مَذْمُومٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ النَّقْلُ الْمُسْتَفِيضُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ السَّلَفِ الصَّالِحِ..
إلى أنْ قال: وَالْحَاصِلُ: أَنَّ كَثْرَةَ السُّؤَالِ وَمُتَابَعَةَ الْمَسَائِلِ بِالْأَبْحَاثِ الْعَقْلِيَّةِ وَالِاحْتِمَالَاتِ النَّظَرِيَّةَ مَذْمُومٌ، وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ وُعِظُوا فِي كَثْرَةِ السُّؤَالِ حَتَّى امْتَنَعُوا مِنْهُ، وَكَانُوا يُحِبُّونَ أَنْ يَجِيءَ الْأَعْرَابُ فَيَسْأَلُوهُ حَتَّى يَسْمَعُوا كَلَامَهُ، وَيَحْفَظُوا مِنْهُ الْعِلْمَ، أَلَا تَرَى مَا فِي "الصَّحِيحِ" عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلِ فَيَسْأَلُهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ"[145]. ا.ه[146]
وقال رحمه الله: "عُهِدَ بِالتَّجْرِبَةِ أَنَّ الِاعْتِرَاضَ عَلَى الْكُبَرَاءِ قَاضٍ بِامْتِنَاعِ الْفَائِدَةِ, مُبْعِدٌ بَيْنَ الشَّيْخِ وَالتِّلْمِيذِ". ا.ه[147]
3- ثَنْيُ الركب على المشايخ والعلماء, فكل فنٍّ لا يكون عن طريق المُشافهة والمُجالسة مع أهله لن يتمكن طالبه من نيله, وبلوغ مرامه.
قال الشاطبي رحمه الله تعالى: "وَالْكُتُبُ وَحْدَهَا لَا تُفِيدُ الطَّالِبَ مِنْهَا شَيْئًا، دُونَ فَتْحِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ مُشَاهَدٌ مُعْتَادٌ". ا.ه[148]
وينبغي اختيار الشيخ العالم المتقن, قال الشاطبي رحمه الله تعالى: مِنْ أَنْفَعِ طُرُقِ الْعِلْمِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى غَايَةِ التَّحَقُّقِ بِهِ أَخْذُهُ عَنْ أَهْلِهِ الْمُتَحَقِّقِينَ بِهِ عَلَى الْكَمَالِ وَالتَّمَامِ..
وَكَلَامُنَا مِنْ ذَلِكَ فِيمَا يَفْتَقِرُ إِلَى نَظَرٍ وَتَبَصُّرٍ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ مُعَلِّمٍ فِيهَا..
وَقَدْ قَالُوا: "إِنَّ الْعِلْمَ كَانَ فِي صُدُورِ الرِّجَالِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الْكُتُبِ، وَصَارَتْ مَفَاتِحُهُ بِأَيْدِي الرِّجَالِ".
وَهَذَا الْكَلَامُ يَقْضِي بِأَنْ لَا بُدَّ فِي تَحْصِيلِهِ مِنَ الرِّجَالِ؛ إِذْ لَيْسَ وَرَاءَ هَاتَيْنِ الْمَرْتَبَتَيْنِ مَرْمًى عِنْدَهُمْ، وَأَصْلُ هَذَا فِي الصَّحِيحِ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُهُ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ" الْحَدِيثَ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالرِّجَالُ هُمْ مَفَاتِحُهُ بِلَا شَكٍّ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا؛ فَلَا يُؤْخَذُ إِلَّا مِمَّنْ تَحَقَّقَ بِهِ، وَهَذَا أَيْضًا وَاضِحٌ فِي نَفْسِهِ، وَهُوَ أَيْضًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ؛ إِذْ مِنْ شُرُوطِهِمْ فِي الْعَالِمِ بَأَيِّ عِلْمٍ اتَّفَقَ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِأُصُولِهِ وَمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعِلْمُ، قَادِرًا عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْ مَقْصُودِهِ فِيهِ، عَارِفًا بِمَا يَلْزَمُ عَنْهُ، قَائِمًا عَلَى دَفْعِ الشُّبَهِ الْوَارِدَةِ عَلَيْهِ فِيهِ. ا.ه[149]
وهناك علاماتٌ متى وُجدت في الشيخ فهو الذي ينبغي أنْ تلزمه وتأخذ العلم عنه, ذكرها الشاطبي بقولِه:
إِحْدَاهَا: الْعَمَلُ بِمَا عَلِمَ؛ حَتَّى يَكُونَ قَوْلُهُ مُطَابِقًا لِفِعْلِهِ، فَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ؛ فَلَيْسَ بِأَهْلٍ لِأَنْ يُؤْخَذَ عَنْهُ، وَلَا أَنْ يُقْتَدَى بِهِ فِي عِلْمٍ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ رَبَّاهُ الشُّيُوخُ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ؛ لِأَخْذِهِ عَنْهُمْ، وَمُلَازَمَتِهِ لَهُمْ؛ فَهُوَ الْجَدِيرُ بِأَنْ يَتَّصِفَ بِمَا اتَّصَفُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَهَكَذَا كَانَ شَأْنُ السَّلَفِ الصَّالِحِ.
وَحَسْبُكَ مِنْ صِحَّةِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّكَ لَا تَجِدُ عَالِمًا اشْتَهَرَ فِي النَّاسِ الْأَخْذُ عَنْهُ إِلَّا وَلَهُ قُدْوَةٌ وَاشْتُهِرَ فِي قَرْنِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَقَلَّمَا وُجِدَتْ فِرْقَةٌ زَائِغَةٌ، وَلَا أَحَدٌ مُخَالِفٌ لِلسَّنَةِ إِلَّا وَهُوَ مُفَارِقٌ لِهَذَا الْوَصْفِ، وَبِهَذَا الْوَجْهِ وَقَعَ التَّشْنِيعُ عَلَى ابْنِ حَزْمٍ الظَّاهِرِيِّ[150]، وَأَنَّهُ لَمْ يُلَازِمِ الْأَخْذَ عَنِ الشُّيُوخِ، وَلَا تَأَدَّبَ بِآدَابِهِمْ، وَبِضِدِّ ذَلِكَ كَانَ الْعُلَمَاءُ الرَّاسِخُونَ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَشْبَاهِهِمْ.
وَالثَّالِثَةُ: الِاقْتِدَاءُ بِمَنْ أَخَذَ عَنْهُ، وَالتَّأَدُّبُ بِأَدَبِهِ.
فَلَمَّا تُرِكَ هَذَا الْوَصْفُ؛ رَفَعَتِ الْبِدَعُ رُءُوسَهَا لِأَنَّ تَرْكَ الِاقْتِدَاءِ دَلِيلٌ عَلَى أَمْرٍ حَدَثَ عِنْدَ التَّارِكِ، أَصْلُهُ اتِّبَاعُ الْهَوَى. ا.ه[151]
وينبغي للطالب السؤالُ عن كلّ ما أشكل, ولا ينبغي أنْ يتردّد في ذلك ولو أكثر على الشيخ, بشرط مُرعاة مُناسبة الوقت ولطافة الأُسْلوب.
قال الإمام البخاريّ في صحيحه رحمه الله تعالى: (بَابُ الحَيَاءِ فِي العِلْمِ) وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «لاَ يَتَعَلَّمُ العِلْمَ مُسْتَحْيٍ وَلاَ مُسْتَكْبِرٌ» وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ». ا.ه
قال الحافظ رحمه الله تعالى: تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ وَهُوَ الشَّرْعِيُّ الَّذِي يَقَعُ عَلَى وَجْهِ الْإِجْلَالِ وَالِاحْتِرَامِ لِلْأَكَابِرِ وَهُوَ مَحْمُودٌ, وَأَمَّا مَا يَقَعُ سَبَبًا لِتَرْكِ أَمْرٍ شَرْعِيٍّ فَهُوَ مَذْمُومٌ, وَلَيْسَ هُوَ بِحَيَاءٍ شَرْعِيٍّ, وَإِنَّمَا هُوَ ضَعْفٌ وَمَهَانَةٌ, وَهُوَ الْمُرَادُ بقول مُجَاهِد. ا.ه
"وما أحسن ما قال بعض الجلّة: توانيت في أوان التعلّم عن المسألة عن أشياء كانت الحاجة تحفِز إليها, والكسل يصدّ عنها، فلما كبرت أنِفْتُ من ذكرها وعرضها على مَن عِلْمُها عنده، فبقيتْ الجهالة في نفسي، وركدتْ الوحشة بين قلبي وفكري".[152]
4- في بداية طلبك للعلم لا تبحث عن الشيوخ الذين يشرحون المطوّلات, أو يُسهبون في شرحهم, ولو كانوا أكثر علمًا.
والواجب على الشيخ أنْ يكون رفيقًا بطلابه, يُعْطيهم من العلم بقدر عقولهم وسنّهم, ومن حبائل الشيطان أنه يُحسِّنُ -أحيانًا- للمعلمّ الإسهابَ والتطويل؛ ليُفسد عليه نيّته والعياذ بالله,؛ ولينفّر الطلاب من بين يديه, فلْيتفطّن لذلك والله العاصم.
وقد ذكر الإمام الشاطبي رحمه الله ما يجب على الشيخ أنْ يتجنبّه, وذكر منها: أنْ "يَتَبَجَّحَ بِذِكْرِ الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ ذِكْرِ كِبَارِ الْمَسَائِلِ لِمَنْ لَا يَحْتَمِلُ عَقْلُهُ إِلَّا صِغَارَهَا، عَلَى ضِدِّ التَّرْبِيَةِ الْمَشْرُوعَةِ، فَمِثْلُ هَذَا يُوقِعُ فِي مَصَائِبَ..
فَلَا يَصِحُّ لِلْعَالِمِ فِي التَّرْبِيَةِ الْعِلْمِيَّةِ إِلَّا الْمُحَافَظَةُ عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُرَبِّيًا، وَاحْتَاجَ هُوَ إِلَى عَالِمٍ يُرَبِّيهِ". ا.ه[153]
وقال ابن بدران رحمه الله: "إنَّ كثيراً من الناس يقضون السنين الطوال في تعلم العلم, بل في علم واحدٍ, ولا يحصلون منه على طائل, وربما قضوا أعمارهم فيه ولم يرتقوا عن درجة المبتدئين, وإنما يكون ذلك لأحد أمرين:
أحدهما: عدم الذكاء الفطري, وانتفاء الإدراك التصوري, وهذا لا كلام لنا فيه ولا في علاجه.
والثاني: الجهل بطرق التعليم, وهذا قد وقع فيه غالب المعلِّمين, فتراهم يأتي إليهم الطالب المبتدئ ليتعلم النحو مثلا, فيشغلونه بالكلام على البسملة, ثم على الحمدلة أيامًا بل شهورًا, ليوهموه سعة مداركهم, وغزارة علمهم, ثم إذا قُدِّر له الخلاص من ذلك أخذوا يلقنونه متنا أو شرحا بحواشيه وحواشي حواشيه, ويحشرون له خلاف العلماء, ويُشغلونه بكلامِ مَن ردَّ على القائل, وما أُجيب به عن الرد, ولا يزالون يضربون له على ذلك الوَتَر, حتى يرتكز في ذهنه أنَّ نَوال هذا الفنِّ مِن قَبِيْلِ الصَّعْبِ الذي لا يصل إليه إلا من أوتي الولاية". ا.ه[154]
وإذا رأى الطالبُ - المبتدئ خاصَّةً - مِنْ شيخِه هذا المنهجَ فلْيحذرْ مِن الجلوس بين يديه, قال ابن جماعة رحمه الله: فإن كانتْ طريقةُ شيخِه نقلَ المذاهب والاختلاف ولم يكن له رأيٌّ واحد، (فقد) قال الغزاليُّ رحمه الله: فلْيحذرْ منه؛ فإنَّ ضرَرَه أكثرُ من النفع به. ا.ه[155]
وقد نبَّه على هذا الشيخ الإمام محمد الطاهر بن عاشور فقال[156]: "يعرض كثيراً لمن اتَّسعت معلوماتهم من المتصدِّرين للتدريس في مبدأ تصدُّرهم ؛ فيدفعهم حبُّ إظهار ما لهم من المزيَّة، ثمَّ لا يلبث أن يستيقظ من بهجته ويصير إلى وضع المقادير في نصابها"
قال: وقد نبّه على هذا صديقُنا الشيخ محمد الخضر حسين فقال في مقالات رحلته الجزائريَّة: "كنت ممَّن ابتلي في درسه باستجلاب المسائل المختلفة الفنون وأتوكَّأ على أدنى مناسبة حتَّى أفضى الأمر إلى أن لا أتجاوز في الدرس شطر بيت من ألفيَّة ابن مالك مثلاً، ثمَّ أدركت أنَّها طريقة منحرفة المزاج عن الإنتاج".
ثمَّ أضاف الشيخ ابن عاشور قائلاً :"وأنا أيضاً عرض لي مثل ذلك في تدريس المقدِّمة الآجروميَّة ؛ فكنت آتي في درسي بتحقيقاتٍ من شرح الشاطبي على (الألفيَّة) ، وفي درس (مقدمة إيساغوجي) - كتاب من علم المنطق - فأجلب فيه مسائل من (النجاة) لابن سينا ثمَّ لم ألبث أن أقلعت عن ذلك". ا.ه
5- قيِّد ما تسمعه من العلم والفوائد, فربَّما سمعتَ كلمةً أو ترجيحاً لا تراه هامًّا حينها, لكن تَجد أهميَّته ونفعه بعد حين.
6- اخْتر الشيخ الذي تجد فيه الدِّين والورع والأخلاق, مع ما عنده من العلم.
ولا تتقيَّد بالمشهورين, فقد تستفيد من غيرهم أكثر منهم, والبعض قد يُصاب بداءٍ خطيرٍ, وهو داءُ الكبر والعلوّ, فيبحث عن المشهورين للمباهاة والفخر, وهذه من أمراض القلب الخطيرة, وهي بدايةٌ غير مُوفَّقة, بل ربما تكون عائقًا وصارفًا عن مُواصلة الطلب لشؤمها.
قال ابن جماعة رحمه الله: ينبغي للطالب أن يُقَدِّم النظر ويستخيرَ الله فيمن يأخذ العلم عنه, ويكتسبَ حسن الأخلاق والآداب منه, ولْيكن إنْ أمكن ممن كملت أهليته, وتحققت شفقته, وظهرت مروءته, وعُرفت عفته, واشتُهرت صيانته, وكان أحسنَ تعليمًا, وأجود تفهيمًا, ولا يرغب الطالب في زيادة العلم مع نقصٍ في ورعٍ أو دينٍ أو عدمِ خلقٍ جميل.
وليحذرْ من التقييد بالمشهورين, وترك الأخذ عن الخاملين, فقد عدّ الغزالي وغيره ذلك من الكبر على العلم, وجعله عين الحماقة؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها..
فإذا كان الخامل ممن ترجى بركته كان النفع به أعم والتحصيل من جهته أتم. ا.ه[157]
واحرص- يا طالب العلم- على الشيخ الذي يتحلى بالأخلاق الفاضلة, والآداب الجمة, وقدّمه على من هو أعلم منه إذا كان سيّء الخلق, ضيق العَطَن, قليل التواصل مع الطلاب.
فإنَّ أخلاقَ الشيخ تَسْري إلى طلابه, وتُعْديهم وتُؤثر فيهم, ويتطبّعون بطباعه من حيث لا يشعرون.
ثانيًا: المنهجيّةُ الصحيحةُ في العنايةِ بالكتاب:
الكتاب هو أعظم أنيس, وأحسن جليس, وأعزّ مطلوب, وألذّ مرغوب, لا تنضج العقولُ إلا به, ولا تُوهب المعارف بدونِه.
قال المسعودي رحمه الله في وصف الكتاب: قد قالت الحكماء: الكتاب نعم الجليس، ونعم الذخر، إن شئت ألهتك نوادره، وأضحكتك بوادره، وإن شئت أشْجَتْكَ مواعظه، وإن شئت تعجبت من غرائب فوائده، وهو يجمع لك الأول والأخر, والغائب والحاضر, والناقص والوافر, والشاهد والغائب, والبادي والحاضر، وهو ميت ينطق عن الموتى، ويترجم عن الأحياء, وهو مؤنس يَنْشَطُ بنشاطك، وينامِ بنومك، ولا ينطق معك إلا بما تهوى، ولا نعلم جارًا أبر، ولا خليطًا أنْصَفَ، ولا رفيقاً أطوع، ولا معلماً أخضع[158]، ولا صاحباً أظهر كفاية، وأقل خيانة، ولا أجدَى نفعاً، ولا أحمد أخلاقًا, ولا أقل خِلافًا, ولا أعوم سروراً، ولا أسكت غِيبة، ولا أحسن موافاة, ولا أعجل مكافأة، ولا أخف مؤنه منه, إن نظرت إليه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وأيد فهمك، وأكثر علمك، وتَعْرِف منه في شهرٍ ما لا تأخذه من أفواه الرجال في دهر[159]، وهو المعلم الذي لا يجفوك، وإن قطعت عنه المائدة لم يقطع عنك الفائدة، وهو الذي يطيعك بِالليل طاعته لك بالنهار، ويطيعك في السفر كطاعته لك في الحضر، وقد قال الله تبارك وتعالى: " اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علّمَ بالقَلَم، عَلّم الإِنسان ما لم يَعْلَم " فوصف عن نفسه أنه علم بالقلم, كإخباره عن نفسه بالكرم، وفي ذلك يقول بعض أهل الأدب: