رابعًا: المنهجيّةُ الصحيحةُ في العنايةِ بالكتابة والتأليف :
إنَّ الكثير من الخطباء والمؤلفين - إما تأليف رسالة ماجستير أو
دكتوراة أو غيرها - في بداية أمرهم، وأوائل شأنهم، يجد الواحد منهم
صعوبة بالغة في الإعداد، فيُصيبه الإعياء والإجهاد، وذلك لأنه اعتقد أن
الأسلوب الناجع في البداية، أنْ يبدأ بالتسلسل من المقدمة والعناصر،
فلا يتعدى عنصرًا حتى يتقن الذي قبله، فيمكث في المقدمة مدَّةً طويلة،
ثم تأتيه الحيرة في الترتيب والتنسيق، وبأيّ شيء يبدأ ... وهكذا فهو في
حَيص بيص(١)، ويعيش في حيرةٍ وتذبذب، ويستولي عليه الخوف
والقلق .
وإنّ التأليف والبحث والتلخيص فنٌّ ومهارةٌ، إن لم تقم بتنميتها
وتطويرها وتفعيلها وإلا ماتت، وصعبت عليك مع مرور السنين ولو كنت
كثير الحفظ والمطالعة، وحادّ الفهم والذكاء .
وإنّ الكتابة من أعظم أسباب تنشيط الهمّة، ولذا تجد من اتجه
للتأليف من أحرص الناس على وقته .
وأعرف رجلًا عنده ضعفٌ في الهمّة في طلب العلم، وعدم تنظيم
وقته، فنُصِحَ بأنْ يُؤلّف ويُكثر من البحث، فاستجاب لذلك، وأخبرني
بعد مُدّةٍ بأنه رأى تغيّرًا كبيرًا عن ذي قبل، وفتح اللّٰه عليه في العلم
والتأليف والبحث .
وهل يُطيق طالبُ علمِ حياةً بدون إدمانِ بحث، أو تعليمٍ ونشرٍ ما
عَلِمَه، أو تأليف؟
وهل يرضى بأنْ يُوصَف بأنه طالبُ علمِ بدون واحدةٍ منها؟
(١) في القاموس المحيط: البَيْصُ: الشدَّةُ والضيقُ. ووَقَعَ في حَيْصَ بَيْصَ.. أي:
اخْتِلاطِ لا مَحِيصَ عنه .
وإذا أردت البحث والتأليف - يا طالب العلم - فعليك بالخطوات
التالية :
١ - فكَّرْ فيما تُريد طرحه أو كتابته، فاكُتب ما يُمليه عليك خاطرك ،
دون العناية بالألفاظ والبلاغة والمقدمة، ودوِّن ما عَلِقَ بمُخيلتك مباشرةً
دون تأجيل؛ لأنك لو أجلّت لضاعت الأفكار والخواطر .
٢ - لا تُحاول جلب الأفكار والعناوين، بل اكتب ما يخطر في
بالك .
٣ - اكتب ما يجول في البال مباشرة، دون حرصٍ على تدقيق ما
تكتبه أو تُمْليه، ودون الرجوع إلى المصادر، بل إذا تذكرت أثناء كتابتك
كلامًا لأحد العلماء فأشِر إليه في الحاشية، وإذا انتهيت بعد ذلك فارجع
إلى المصدر وانْقله .
٤ - ثم ابدأ بجمع المادة العلمية والكتب التي تتحدث عن
موضوعه، وانْظر في الفهرس باحثًا عن الموضوع الذي تُريده، فاقرأ فيه،
ثم ابحث في المكتبة الشاملة، وفي الشبكة العنكبوتية كذلك.
فما وجدته متعلقًا ببحثك فخذه وضعه في ملف الوورد، وهكذا
تجمع بدون ترتيب وتحقيق، ودون تعليق وتدقيق.
مع الرجوع إلى ما أشرت إليه أثناء الكتابة ممّا خطر لك من أقوال
العلماء ونحوهم.
٥ - ثم إذا انتهيت من كتابة ما في الخاطر، وانتهيت من جمع
المادة العلمية من الكتب ونحوها، فارجعْ إلى ما كتبته، ثم ابدأ بترتيب
العبارات، وانتقاء الألفاظ، وصحح اللغة والإملاء.
فإذا بك قد جمعتَ مادةً علميةً كبيرةً وواسعةً، فحينها قم بطباعةِ
بحثك، ثم ابدأ بقراءته بتمعُنٍ وتأنّ.
فاحذف ما لا يُناسب، وعَلِّق على بعض الكلام، ورتّب بين
عناصره.
وهكذا مع مرور الأيام تَجد أنك أنجزت شيئًا عظيمًا، وكتبتَ ما لا
بخطر على بالك، ولن تشعر بالملل والسآمة، بل ستشعر بثقة في نفسك،
وسهولةٍ في بحثك.
٦ - حدِّد الوقت والساعة منذ البداية وحتى النهاية، كي ترى
الفارق بين أوائل كتاباتك وأواخرها، فتشعر بأنك كلما مرت عليك الأيام
يكون زمن التحضير أقلّ، فتزاد نشاطًا وحماسًا وثقةً.
٧ - الكتابة الأولى تكون عاطفيةً وبإسهاب، والمراجعةُ تكون
بالعاطفة مع العقل والنظر والتدقيق.
٨ - لا تَحمل همَّا للمُؤَلَّف والمقال والخطبة، بل اكتب كتابةً بدون
تكلّف واهتمام كبير.
٩ - ينبغي أنْ تُدوّن ما يخطر في بالك في أيّ وقت، ولا تقل: إذا
ذهبتُ إلى البيت سأدّونها، فسرعان ما تذهب عنك الخواطر المهمة،
والقريحة الجيّدة.
وكتابةُ ما في الخاطر مُباشرةً من أهم الأمور، فكثيرًا ما تلوح في
الخاطر عبارات جميلة، وخواطر مُهمّة، فإن لم تدوّنْ ذهبت، ولو بقيت
صعب تدوين الصيغة المناسبة لها، فمن حين ما تأتي الخاطرة تأتي
الصيغة المناسبة والأسلوب الجميل معها، ولذلك فمن أشد ما يخسره من
يُفرط في تدوين الخواطر ضياعُ الصيغة المناسبة والأسلوب الرائع لها .
قال العلامةُ محمد رشيد رضا رحمه اللّٰه تعالى عند تفسيره لإحدى
الآيات :
وَقَدْ كُنْتُ كَتَبْتُ فِي مُذَكَّرَاتِي عَنِ الدَّرْسِ عِنْدَمَا تَقَدَّمَ ((أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ
نُكُتَةٍ لِهَذَا التَّعْبِيرِ وَهِيَ». . وَتَرَكْتُ بَيَاضًا لِأَكْتُبَ فِيهِ مَا ظَهَرَ لِي مِنَ النُّكْتَةِ
ثُمَّ نَسِيتُهُ إِلَى الآنَ!١ . ه (١) .
وقال أبو الفتح عثمان بن جنيّ: من طريف حديث هذا الخاطِر أنني
كنت منذ زمان طويلٍ رأيت رأيًا جمعت فيه بين معنى آيةِ ومعنى قول الشاعر:
وكنت أمشي على رِجْلين معتدلًا فصرتُ أمشي على أخرى من الشجرِ
ولم أُثْبِتْ حينئذٍ شرحَ حالِ الجمعِ بينهما ؛ ثقةً بحضوره متى
استحضرتُه، ثم إني الآن - وقد مضى له سنون - أُعَان الخاطرَ وأفانِيِه
وأتودّده على أن يسمح لي بما كان أَرانِيه من الجمع بين معنى الآية
والبيت، وهو معتاصٌ متآبٌّ، وضَنينٌ به غيرُ مُعْط . ١. ه(٢).
وقد كان الأئمةُ والعلماء والْمُفكرون، يُدوّنون أفكارهم، ويُؤلّفون
كتبهم، في أيّ مكانٍ كانوا فيه، فابن تيميّة رَكَّلُهُ ألّف كتابه الصارم
المسلول على شاتم الرسول في سجنه .
والشنقيطي رَكَّالهُ ألّف كتابه أضواء البيان في سفر الحج.
ومحمد رشيد رضا نًّاله ألّف أجزاءً كثيرةً في سفره، حيث يقول
في أحد المواضع: (وَلَوْلَا أَنَّنِي الآنَ حِلْفُ أَسْفَارٍ، لَا يَقِرُّ لِي فِي بَلَدٍ
قَرَارٌ، لَأَطَلْتُ بَعْضَ الْإِطَالَةِ) .
بل إنّه يُؤلَّف ويكتب حتى وهو في الباخرة! يقول كَّاللهُ مُعتذرًا عن
رجوعه لمصادر التفسير: عَلَى أَنَّنِي كُنْتُ أَوَدُّ لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ جَمِيعُ كُتُبِ
التَّفْسِيرِ الْمُعْتَبَرَةِ لِأُرَاجِعَ تَفْسِيرَ الْآيَةِ فِيهَا .
وذكر في الحاشية أنه يكتب وهو في الباخرة .
(١) تفسير المنار : ٠٣٤٤/٥
(٢)
الخصائص، الناشر: عالم الكتب، تحقيق: محمد علي النجار: ٢٠٧/١.
أوقفني على كلامه: فضيلة الشيخ: بدر بن محمد الطيار جزاه اللّٰه خيرًا.
وابن القيم رَكَلَالهُ ألَّف كتابه «روضة المحبين ونزهة المشتاقين) في
السفر وفي حال بعده عن كتبه .
وألّف رسالته «التبوكية» وهو على الراحلة من حفظه، كما في مقدمتها.
قال في مقدمة الكتاب (ص١٢): والمرغوب إلى من يقف على هذا
الكتاب أن يعذر صاحبه فإنه علقه في حال بعده عن وطنه وغيبته عن
كتبه .ا. ه.
وألف كتابه زاد المعادِ في هدي خيرِ العِباد وهو في السفر كذلك.
قال الشيخ بكر أبو زيد رحمه اللّٰه تعالى في كتابه: (ابن قيم
الجوزية) (ص ٢٦١) : ومن المدهش أن هذا الكتاب أملاه مؤلفه رحمه اللّٰه
تعالى وهو في حال سفره وغيبة عن داره ومكتبته، وقد تحدث عن ذلك
في فاتحة الكتاب فقال: وهذه كلمات يسيرة لا يستغني عن معرفتها من
له أدنى نعمة إلى معرفة نبيه والية وسيرته وهديه اقتضاها الخاطر المكدود
على عُجرهِ وبُجرهِ مع البضاعة المزجاة. .. مع تعليقها في حال السفر لا
الإقامة والقلب بكل وادٍ منه شعبة والهمة قد تفرقت شذر مذر ١.٠٠٠.ه.
وألف كتابه بدائعَ الفوائد وهو في السفر كذلك .
حيث يقول في أحد المواضع: فليسامح الناظر فيها فإنها علقت
عليَّ حين بعدي عن كتبي وعدم تمكني من مراجعتها. وهكذا غالب هذا
التعليق إنما هو صيد خاطر . والله المستعان .
والإمام الكبير السرخسي نَكَماللهُ أملى جزءًا من كتابه القيّم المبسوط
وهو مسجون في الجب!
وهذا الإمام ابن الجزري رحمالله يُؤلّف أجزاءً من منظومته: (الدرة
المضية في القراءات الثلاث المرضية) .
وقد صرح بأنّ الأعراب اعترضوا طريقه، ولم يتركوا له شيئًا، وقد
قال في آخرها يصف محنته عند ما أسره الأعراب في بلاد نجد:
غَرِيْبَةُ أَوْطَانٍ بِنَجْدٍ نَظَمْتُهَا
وَعُظْمُ اشْتِغَالِ الْبَالِ وَافٍ وَكَيْفَ لَا
وَطَوَّقَنِي الأَعْرَابُ بِاللَّيْلِ غَفْلَةً
فَمَا تَرَكُوا شَيْئًا وَكِدْتُ لأُقْتَلَا
فَأَدْرَكَنِيْ اللُطْفُ الْخَفِيُّ وَرَدَّنِيْ عُنَيْزَةَ حَتَّى جَاءَنِي مَنْ تَكَفَّاد
وهذا العلّامة الألباني رَكَّاله ألَّف ((مختصر صحيح مسلم» وهو في
سجن الحسكة.
وهذا العلّامةُ ابنُ الوزير رَكَمّالهُ يذكرُ أنّ الحافظ ابنَ حجر رًمّالهُ ألّف
أثناء سفره إلى مكّة مختصرًا بديعًا في علوم الحديث (يقصد: نخبة الفكر).
وإلى هذا أشار الأمير الصنعاني رَمّالله في «قصب السُّكَّر» بقوله :
ألَّفَها الحافظُ في حال السَّفَرْ وهُو الشّهابُ بنُ عليِّ بنِ حَجَرْ
فهؤلاء العلماء ألفوا وكتبوا في السجون والأسفار، وفي البوادي
والقفار، وعلى متون البواخر وسط البحار! فما عذرنا ونحن على
الكراسي مُتَكئون، وبين أهلنا مُتنعمون، وفي بلداننا آمنون؟
فمن الذي يَمْنعنا من الجدّ والمثابرة، وثني الركب على القراءة
والمدارسة؟
والكسل أساس السقم وضيق الصدر والتأخر للوراء، قال ابن القيم
رحمه اللّٰه تعالى: (ولهذا تجد الكسالى أكثر الناس همًا وغمًا وحزنًا ،
ليس لهم فرحٌ ولا سرورٌ، بخلاف أرباب النشاط والجدِّ في العمل أيّ
عملٍ كان، فإن كان النشاطُ في عملٍ هُمْ عالمون بحسن عواقبه وحلاوة
غايته : كان الْتذاذُهم بحبِّه ونشاطُهم فيه أقوى». اه١).
١٠ - أغلق الجوال أثناء التأليف، فإذا قُطعتْ حبال الأفكار فمن
الصعب إرجاعها .
(١) روضة المحبين: ص١٦٨.