ممَّا ينبغي لطالب العلم أنْ يهتمّ بأخلاقه وسلوكه, وأنْ يكون على هديِ قُدْوته وإمامه صلى الله عليه وسلم, وأنْ يتعامل مع الآخرين - وخاصةً العلماء ومشايخه- بأحسن مُعاملة.
لذلك فإنَّ العلماءَ وطلبةَ العلم هم أولى الناس وأحقُّهم بالأدب وحسن الخلق؛ لأنهم أعلم الناس بالحق، ولمكانهم بين الخلق حيث ينظر الناس إليهم نظرة خاصة، فإن أحسنوا كان ذلك سببًا لمحبة الناس لهم وقبول الحق منهم، وإن أساؤوا كان ذلك سببًا لبعد الناس عنهم وكراهية ما هم عليه من الهدى.
قال عبد الله بن المبارك: سفِهَ رجلٌ على إسحاق الحنظلي[78] فاحتمله وقال: لأيِّ شيءٍ تَعلَّمنا العِلْم؟
فلأيِّ شيءٍ تعلمنا نحن العلم , وفهمنا وقرأنا كثيراً من الآيات والأحاديث التي فيها الصبر والحلم وكظم الغيظ , فإذا لم نعمل بها فما قيمتها في صدورنا!!.
وطالب العلم أحوج ما يكون إلى الأخلاق والأدب مع غيره ولو مع المخالفين.
قال ابن القيم -رحمه الله-: وأدبُ المرء عنوان سعادته وفلاحِه، وقلةُ أدبه عنوان شقاوته وبَوارِه. فما استُجلب خيرُ الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استجلب حرمانها بمثل قلة الأدب. ا.هـ[79]
وقال عبد الله بن المبَارك -رحمه الله-: كاد الأدب يكون ثُلثَي الدِّين.
قال ابن القيم -رحمه الله-: بل الأدب هو الدين كله. ا.ه
فدينُنا مبنيٌّ على الأدب مع الخالق سبحانه, بعباداته وحده وتعظيمِه, ومع الناس باحترامهم ومُعاملتِهم بأحسن معاملة.
فالذي يُخلّ بالأدب إنما يُخلّ بالدين, ولو كان من أعبد العابدين, وأعلم الناسِ أجمعين.
وقد كان مَن مضى من علمائنا وسلفنا, يعتنون بالأدب اعتناءً شديدًا, يقول الزهري -رحمه الله-: كنا نأتي العالِمَ, فما نتعلم من أدبه أحبُّ إلينا مِن علمه.
وقال الإمامُ مالكُ بنُ أنس -رحمه الله- ناصحًا أحدَ طلاَّبه: تَعَلَّمِ الأدب قبل أن تتعلم العلم.
وقال ابن وَهب-رحمه الله-: ما نَقَلْنَا مِن أدب مالكٍ أكثرُ مِمَّاَ تعلَّمنا من علمه.
وهذا الإمامُ أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى, يقول عنه الذهبي رحمه الله: كان يجتمعُ في مجلسِه زُهاءَ خمسةِ آلافٍ أو يزيدون. نحوِ خمسِمائةٍ يكتبون، والباقون يتعلَّمون منه حُسْنَ الأدب والسَّمْت.[80]
هكذا كان العلماء ولا زالوا, يُعلمون الناس الأدب والأخلاق قبل العلم, لكنَّ بعضًا من العلماءِ وطلاب العلمِ لم يُراعوا هذا الجانب, فقلّ نفعُهم وخيرُهم, بل حصل من بعضِهم فسادٌ عظيم, فجعلوا العلم وسيلةً لتجريح من يُخالفهم, ولمز من يجتهدُ اجتهادًا لا يُوافق آراءَهم, ووالله لو تعلَّموا الأدب كما تعلموا العلم, لَمَا رأينا إلا الخير والمودّة بينهم, وعمّ نفعُهم أرجاء الأرض.
ولكي يُعطي هذا الجانب المهم حقَّه عليه بمُراعاةِ الأمور التالية:
1- أنْ يقوم بحقوق شيخه ومُعلمه, ومن حقوق الشيخ والمعلم عليه:
أ- الاحترام والتقدير والأدب, ولكن لا تصل إلى مرحلة القداسة والأخذ بكل ما يصدر منه.
فاحْترام وتقدير الشيخ والمعلم والحياء منه من أعظم أسباب التوفيق, لكنَّ الحياءَ لا يمنع من السؤال والمناقشة.
ب- خدمته والقيام بحوائجه, وهذا من أقل ما يُجازيه على تعليمه العلم.
ج- الصبرُ على ما يبدُرُ منه من قسوةٍ أو تأنيب أو جفاء.
د- أنْ تنسب الفضل بعد الله له, وتُكثرَ من الثناء عليه, وأنْ تذكر أنْك اسْتفدتّ منه, وتتلمذت عليه, وما ظفرت منه بفائدةٍ أو معلومةٍ فاذكرها منسوبةً إليه.
هـ- أنْ تدعو له في حياته وبعد مماته, في سجودك وقنوتك, وسرّك وجهرك.
و- النصحُ له, وإخباره بما تراه من نقصٍ أو خطأ, ويكون ذلك بأسلوبٍ في غاية اللطف والأدب, ولْيحذر من الاعتراض عليه وردِّ كلامه.
وبالجملة: لا ينبغي للطالب أنْ يُعامل شيخه مُعاملةَ القرين, "ولَا شَكَّ أَنَّ مَنْ يُعَامِلُ أُسْتَاذَهُ وَمُرْشِدَهُ مُعَامَلَةَ الْمُسَاوَاةِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ ، يَقِلُّ احْتِرَامُهُ لَهُ وَتَزُولُ هَيْبَتُهُ مِنْ نَفْسِهِ حَتَّى تَقِلَّ الِاسْتِفَادَةُ مِنْهُ أَوْ تَعْدَمَ ، وَإِذَا لَمْ تَزُلِ الِاسْتِفَادَةُ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ مُعَلِّمًا ، فَإِنَّهَا تَقِلُّ وَتَزُولُ لَا مَحَالَةَ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ مُرَبِّيًا ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ فِي التَّرْبِيَةِ عَلَى التَّأَسِّي وَالْقُدْوَةِ ، وَمَنْ أَرَاهُ مِثْلِي لَا أَرْضَاهُ إِمَامًا وَقُدْوَةً لِي ، فَإِنْ رَضِيتُهُ بِالْمُوَاضَعَةِ وَالتَّقْلِيدِ وَكَذَّبَتْنِي الْمُعَامَلَةُ ، فَأَيُّ قِيمَةٍ لِهَذَا الرِّضَى ، وَالْعِبْرَةُ بِمَا فِي الْوَاقِعِ وَنَفْسِ الْأَمْرِ ، وَهُوَ أَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ امْرَأً فَوْقَهُ عِلْمًا وَكَمَالًا ، وَأَنَّهُ فِي حَاجَةٍ لِلِاسْتِفَادَةِ مِنْ عِلْمِهِ وَإِرْشَادِهِ, وَمِنْ أَخْلَاقِهِ وَآدَابِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُسَاوِيَ نَفْسَهُ بِهِ فِي الْمُعَامَلَةِ الْقَوْلِيَّةِ وَلَا الْفِعْلِيَّةِ ، إِلَّا مَا يَكُونُ مِنْ فَلَتَاتِ اللِّسَانِ وَمِنَ اللَّمَمِ".[81]
قال العلامة الفقيه محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله تعالى -: أوصيكم إذا قَعَدْتم عند عالمٍ ، تدرسون عنده ، أن تعتقدوا أنه عالمٌ معلِّم ، لا حاكٍ للأقوال ، أو حاكٍ للشروح فقط ، معلّم ، بمعنى أنه أسوةٌ لكم ، تقتدون به في علمه ، وفي آرائه ، وفي أعماله الصالحة ، حتى يكون لكم نبراساً ، تمشون عليه . أما الإنسان الذي يجلس عند العالم ، ليطَّلع على ما عنده من العلم فقط ! فلن يستفيد كثيراً ، بل هو شيخك ، اقتدِ به ، خذ بأقواله ، احترمها ، لا تطلب غيرها ، كما كنا نفعل وكان غيرنا أيضاً يفعلون ، نعتقد أن شيخنا هو شيخنا ، هو أسوتنا ، هو قدوتنا ، ولا نبغي بديلاً بقوله ، بل نأخذ به ، وإذا قُدِّر للإنسان أن يترعرع ، ويُؤتى علماً كثيراً ، فإنه يجب عليه أن يتّبع ما دل عليه الكتاب والسنة ، لأن شيخه غير معصوم ، لكن في أوّل الطلب ، لا ! اجعل شيخك قدوة لك في العلم والعمل والخُلق حتى تنتفع منه ، أما أن تجلس على شيخٍ لتنظر ما عنده ! فهذا غلط. ا.ه[82]
ومن حقوق التلميذ على شيخه ومعلمه:
أ- الرفق به, والتواضُعُ والبشاشة له, واللين والصبرُ عليه, وعدمُ القسوة والغلظة عليه.
قال ابن جماعة رحمه الله: وينبغي أن يعتني- أي الشيخُ- بمصالح الطالب, ويعامله بما يعامل به أعزَّ أولادِه, من الحنوِّ والشفقة عليه والإحسان إليه، والصبرِ على جَفَاءٍ ربما وقع منه نقصٍ لا يكاد يخلو الإنسان عنه, وسوءِ أدبٍ في بعض الأحيان. ا.ه[83]
ب- نصحُه وتوجيهه, وإخباره بما يراه عليه من نقصٍ أو خطأ أو عيب.
ج- أنْ يُعلمَه ويربيَه على صغار العلم قبل كباره, والتدرجِ في التعليم.
د- التواصلُ معه, وتفقده إذا غاب, وعيادتُه إذا مرض, وتشجيعُه ورفعُ همَّته.
والتعامل الرسميّ بين الطالب وشيخه والْمُبالغةُ في الاحتشام أوجدَ حواجز كثيرةً وعميقةً بينهما, وإني أعرف كثيراً من طلاب العلم لا يسأل شيخه ولا يُناقشه ولا يُحاوره في بعض المسائل والقضايا؛ لما يجده من الهيبة والحدة من الشيخ.
وقد يفهم البعض أن هذا من الهيبة ، والهيبة ليست بالغِلظة ولا بالجَفاء ولا بتقطيب الوجه ، بل يُلبِسها الله مَن يشاء من عِباده, وقد يكون أحسن الناس أخلاقاً وأوسعهم صدرا ، ولكنه إذا تكلّم سكتوا ، وإذا قال سمِعوا.
فليس هناك ترابطٌ وتلاحمٌ بين كثيرٍ من الشيوخ وبين طلابهم, فتجد الشيخ آخر عهده بالطالب هو درسه, ولو افتقده لأشهرٍ بل وسنوات لا يسأل عنه إلا إذا رآه بالصدفة.
أين الترابط بين الشيخ وتلاميذه؟, أليس التلاميذ بمثابة الأبناء, يحفظون وينشرون علم الشيخ, ويتربون على يديه؟.
ولنا في رسول لله صلى الله عليه وسلم أسوةٌ وقدوةٌ لنا, فهذا عَبْدُ اللَّهِ بْن عَمْرٍو رضي الله عنه يقول: ذُكِرَ لرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْمِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ، فَأَلْقَيْتُ لَهُ وِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَجَلَسَ عَلَى الأَرْضِ، وَصَارَتِ الوِسَادَةُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ. متفق عليه[84]
ثم بدأ يُناقشه ويُحاوره ويُقنعه بعدوله عن رأيه.
فما إنْ ذُكر له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطأ عبد الله حتَّى بادر إليه, وتكلَّف المجيءَ بنفسه الشريفة إلى بيته, ولم يطلب من أبيه أنْ يُحضر ولده, مع أنَّ الحاجة له ولولده, فقد ورد أنه هو الذي شكا ولده بسبب تقصيره في حقّ امرأته لشغله بالعبادة.
فلماذا لا يُبادر الشيخُ إلى زيارة تلميذه؟ أو يتصل به على الأقل ويسأله عن أحواله؟ فكم سيترتب على ذلك من بالغ الأثر على نفسِ التلميذ.
2- لا تُجامل الناس والأقارب في العلم, فكن كريمًا إلا في وقتك -فيما لا ينفع- وكن صريحاً في رفضك للكثير من المجالس والسهرات التي تُشغلك عن العلم.
3- الحذر من التكلف في كلِّ شيء, في الأخلاق, والعبادة, وطلب العلم, وتعاملْ مع الناس بكلِّ لُطْفٍ واعتدال.
ومن زاد عن التوسط والاعتدال: فقد دخل في التكلف المذموم, الذي نهى الله تعالى نبيَّه أنْ يكون منهم, فقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾.
وقال عمر - رضي الله عنه -: نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ . رواه البخاري[85]
4- لا ينبغي أنْ يُقارن طالب العلم نفسَه مع غيره كثيرًا, وخاصةً ممَّن أُوتوا سعةً في الحفظ أو الفهم, فإنَّ الله أعطى كلَّ أحدٍ ما لم يُعط الآخر, فمن عنده حفظ وذكاء, قد لا يكون عنده جَلَدٌ في التأليف والتفهيم, وقد لا يكون عنده أسلوبٌ مُؤثر في نشر العلم والدعوة إلى الله تعالى.
فلا ينبغي أنْ يُكلف طالب العلم نفسَه ما لا تُطيق, ويُحاول أنْ يكون مثل فلانٍ أو فلان, الذين أُوتوا من القدرات والمواهب ما لم يُؤت مثلها, بل ينبغي أنْ يبذل جهده حسب طاقته وما تُحسنه نفسُه.
قال ابن الجوزي رحمه الله: "لا ينبغي أن يطالب الإنسان بما يقوى عليه غيره، فيضعف هو عنه، فإن الإنسان أعرف بصلاح نفسه". ا.ه[86]
والمقارنة نوعان:
1- مُقارنة مُثبِّطة: وهي أنْ تُقارن نفسك مع مَن يفوقك بمراحل, وتُصاب بالإحباط.
2- مُقارنة مُنشِّطة: وهي أنْ تُقارن نفسك مع مَن يفوقك بقليل, أو يُقاربك, وهي التي تُحفزك على اللحاق بالركب.
5- البعد عن المجادلة والنقاش العقيم, ومن أُوتي الجدل حُرم التوفيق والعمل.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ في رَبَضِ الْجَنَّةِ, لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا». رواه أبو داود[87] وحسَّنه الألباني
ومعنى قَوْلِه: (وَمَنْ تَرَكَ الْمِرَاء): أَيْ الْجِدَال, وذلك خَوْفًا مِنْ أَنْ يَقَع صَاحِبه فِي الخصام والغضب, الْمُسبِّبِ للعداوة والفرقة.
وقَوْلُه: (وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا): أي وإن كان ذا حقٍّ في نفس الأمر؛ وذلك لأنه بعد أن يُرشدَ خصْمَه إلى الحقّ, ويأبى خصمُه قبولَه والإذعانَ له، وهو يعرف أنْ خصمه مُعاندٌ لا يقبل الحق, فلا ثمرة ولا فائدة مِن جداله, سوى تضييعِ الوقت فيما لا ينفع, وإحداثِ البغضاء والحقد.
فالنبيّ صلى الله عليه وسلم ضمن وتكفّل لِمَن ترك الجدال والمِراء- وإنْ كان على حقٍّ- طلباً لِمَرْضاةِ الله تعالى, وسعياً لِلْأُلْفة ونَبذِ الخصومة, ضمن له مكاناً في الجنة, وذلك بأنْ يُثبِّته الله على الدين, ويُجنِّبه الزيغ والضلال, جزاءً على فعله العظيم.
فالجدال الذي يُؤدي إلى الخصومة والشقاق والوحشة، لا بدَّ أنْ نبتعدَ عنه حتى تسلم القلوب، وتصفو النفوس.
وجاء في الصحيحين[88] أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (اِقْرَءُوا الْقُرْآن مَا اِئْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبكُمْ) أَيْ اِجْتَمَعَتْ, (فَإِذَا اِخْتَلَفْتُمْ), أَيْ فِي فَهْمِ مَعَانِيه ( فَقُومُوا عَنْهُ ) قال الحافظ رحمه الله: أَيْ تَفَرَّقُوا؛ لِئَلَّا يَتَمَادَى بِكَمْ الِاخْتِلَاف إِلَى الشَّرّ. ا.ه[89]
فهذا الحديث من أوضح الأدلة والبراهين: في النهي عمَّا يُنفر ويُحدث الخلاف بين المسلمين, فإذا كانتْ قراءةُ القرآن والجلوسُ لسماعه, ومعرفةُ تفسيره ومعناه - وهي من أعظم العبادات- نتج عنها اختلافٌ: فإننا نقوم عن هذه العبادة, ولا نستمر في هذه الجلسة التي فيها القراءة والعلم, فكيف بمجالسَ عامةٍ لا يُوجد فيها ذكرٌ ولا قراءةُ قرآن, ويُطرح فيها ما يُسبب الخلاف والتفرقة, من التعرُّض للجماعات أو الأشخاص أو الحكومات, فهذه المجالس أولى أنْ يُقام عنها, وتُترك وتُهجر.
والْمراء والجدال المذموم, هو ما يكون فيه أحدُ أمورٍ ثلاثة:
- إما أنْ يكون معه حدَّةٌ وغضبٌ وقسوة.
- وإما أنْ يكون بلا تثبُّتٍ ومعرفة.
- وإما أنْ يكون عديمَ الفائدة.
ولا بد أنْ يُعلم أنَّ مَنْ كان شديداً في جِداله وخِصامه: فهو من أبغض الناس عند الله تعالى, قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ". متفق عليه[90]
قال العلماء: الْأَلَدّ: هو الشَّدِيد في جِدَالِه, وهو الذي كلَّما فُتح بابٌ للجدال كان أسرَعَهم إليه, وأقواهم مُجادلةً فيه, بلا بحثٍ ولا علمٍ ولا معرفة.
6- تعلَّم الأخلاق والأدب, والمروءَةَ وحسن التعامل كما تتعلم العلم, فهي من أساسيَّات طالب العلم, ولا بركة في العلم إذا لم يُصاحبه تعاملٌ حسن, وأخلاقٌ عالية.
وكن مُتواضعًا هاضمًا لنفسك, عارفًا قدر غيرِك, واعلم أنّ أصل التواضع ما كان في القلب لا ما كان في الظاهر, فليس التواضع بنزولك إلى من هو أقلّ وأدنى منك, ولكن بألا ترى في نفسك ما يُميّزها عن غيرها لتنزل إليهم, فتتعاملُ مع الصغير والفقير مُعاملةَ الأخ مع أخيه والصديق مع صديقِه.
فشعورُك بأنّك متواضعٌ عند تعاملك مع من هو أقل منك- في الظاهر- دليلٌ على أنّك ترى نفسك أرفع منه, ومن أخبرك بذلك؟ فهذا نوعٌ من الترفع الخفيّ.
ولا سبب للعاقل يدعوه إلى الشعور باستعلائه على غيره - من المسلمين-, فإن كان لغناه أو لصحته وسلامة أعضائه, فقيمةُ الإنسان بلبّه وأخلاقه وعقله, ولا عبرة بالشكل ولا بالمال الذي قد يذهب بأي لحظة, وصدق القائل:
فلا تغترر بالعز والمال والمنى *** فكم قد بُلينا بانقلاب صفاتها
والله تعالى لا ينظر إلى صورنا بل إلى قلوبنا, كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ». رواه مسلم[91]
وإذا كان لعلمه, فالجاهل قد يكون أسلم من المتعلم, فالله تعالى سيُحاسب العالم وطالب العلم بقدر علمه ماذا عمل به, وهل بلّغه وزكّاه؟
ومن أهم الوسائل في كسب الأخلاق الحسنة والأدب والمروءَةِ ما يلي:
أ- دعاء الله تعالى بكثرةٍ وإلحاح.
ب- أنْ تجعل النبي صلى الله عليه وسلم نُصب عينيك, فتعاملْ مع الناس ومع المواقف كما كان يتعامل, فستجد لذةً في ذلك, وستنقاد نفسُك سريعاً.
ج- كثرةُ القراءة والسماع لأحوال وأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والسلف الصالح, قال ابن المبارك: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم.
فخصِّص وقتاً لسماع وقراءة سيرهم وأخلاقهم.
وإنه لمن العجب أن البعض يتبحّر في القراءة في كثيرٍ من العلوم والفنون ، ولا يقرأ ما يُهذّب به نفسه وما يُصلح به أخلاقه!!.
قال ابن الجوزيّ رحمه الله: رأيتُ الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب, إلا أن يُمْزَجَ بالرقائق، والنظر في سير السلف الصالحين.
فأما مجرد العلم بالحلال والحرام، فليس له كبير عمل في رقة القلب, وإنما ترق القلوب بذكر رقائق الأحاديث، وأخبار السلف الصالحين؛ لأنهم تناولوا مقصود النقل، وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها والمراد بها. وما أخبرتُك بهذا إلا بعد معالجة وذوق، لأني وجدت جمهور المحدثين وطلاب الحديث هَمَّةُ أحدهم في الحديث العالي، وتكثير الأجزاء، وجمهور الفقهاء في علوم الجدل، وما يُغالب به الخصم, وكيف يرق القلب مع هذه الأشياء؟! ا.ه[92]
د- أنْ تطلب من أقرانك وأقاربك أن يُخبروك بعيوبك, ويُصارحوك ولا يُجاملوك, ثم تعمل وتُغير مُباشرةً دون تأخير.
وقل لهم كما قال أحدُ السلفِ لصديقه: قل لي في وجهي ما أكره, فإنَّ الرجلَ لا ينصح أخاه, حتى يقول له في وجهه ما يكره.[93]
والبعض من الناس يزعم أن الإنسان لا يستطيع أن يغير أخلاقه, ولا يُبدل طباعه, بل إما أن يكون كالحمل الوديع أو كالسبع المفترس، وهذا لا يصح شرعًا ولا عقلًا، فالكافر قد يسلم، والمسلم قد يكفر، تغيرت عقائد وأديان, ألا تتغير أخلاق؟!.
قال ابن القيم رحمه الله: ورياضة النفوس بالتعلم والتأدب, والفرح والسرور, والصبر والثبات, والإقدام والسماحة, وفعل الخير ونحو ذلك مما ترتاض به النفوس, ومن أعظم رياضتها : الصبر والحب والشجاعة والإحسان, فلا تزال ترتاض بذلك شيئا فشيئا حتى تصير لها هذه الصفات هيئات راسخة, وملكات ثابتة. ا.هـ[94]
ومن التجارب النافعة: أنْ تضع لك سجلاًّ صغيراً, وتُدوِّن فيه عيوبك وسلبيَّاتك, فالتدوين علامة الجد والحرص على التغيير, وهو ممَّا يُعينك على ذلك, حيث يُذكرك بعيوبك دائماً.
هــ- تغييرُ القناعة, فبدلاً من أنْ تُقنع نفسك بأنك سريع الغضب, أبعد هذه القناعة, وحاول إقناعها بأنك تستطيع كظم الغيظ والحلم بسهولة, فغيرك اسْتطاع فلم لا تستَطيع أنت؟
فمهما تمرَّنتَ وتدرَّبتَ فستجد مشقة عظيمة إذا لم تَبْدأْ بقناعتك فتُغَيّرها, فمِرَان القناعة والعقل قبل مِرَانِ الجسم والقلب.
"وَمَتَى رَسَخَ الْوَهْمُ فِي النَّفْسِ يَصْعُبُ انْتِزَاعُهُ عَلَى الْعُقَلَاءِ الَّذِينَ يَتَعَاهَدُونَ أَنْفُسَهُمْ بِالتَّرْبِيَةِ الْحَقِيقِيَّةِ دَائِمًا ، فَكَيْفَ حَالُ الْغَافِلِينَ عَنْ أَنْفُسِهِمِ ، الْمُنْحَدِرِينَ فِي تَيَّارِ الْعَادَاتِ وَالتَّقَالِيدِ الشَّائِعَةِ ، لَا يَتَفَكَّرُونَ فِي مَصِيرِهِمْ ، وَلَا يَشْعُرُونَ فِي أَيِّ لُجَّةٍ يُقْذَفُونَ".[95]
الثالثُ