تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثاني: أنْ يضع له خطةً دقيقةً يسير عليها.

الثالث: أنْ يُلْزم نفسه على التطبيق, ويُحاسب نفسه على التقصير.

وإنّ وضع الخطط والأهداف, لا يستغني عنه أحدٌ يعيش في هذا الكون.

بل إنّ الدول تتفاوت قوةً واقتصادًا وتطوّرًا, بحسب أهدافها وخططها وأنظمتها.

فكيف لعاقل أنْ يسير في هذه الحياة غافلاً عن أهميّة التخطيط؟

والأهدافُ والْغاياتُ لها ضوابطُ كي تكونَ صحيحةً ونافعة, ومنْ أهمّ ضوابطها:

أولاً: أنْ تكون الأهدافُ معقولةً مُمْكنة, فبعض الناس قد يأخذُه الحماس فيضعُ خططًا لا يُطيقها, ولا يُمكنه الْمُداومةُ عليها.

ثانيًا: أنْ تكون بعد دراسةٍ واسْتشارة أهل الخبرة, ولا ينبغي للعاقل أنْ ينفرد وحده بذلك, لاسيّما إذا كان العمل الذي سيقوم به مُتعدّيًا إلى غيره, كتربية الأبناء, فلا بد أنْ يُشرك أبناءه وأهله بذلك.

ثالثا: أنْ تكون مُحدّدةً ودقيقة, لا عامَّةً وواسعة.

وأضرب لذلك مثالاً للآباء والأمهات:

هدفهم الأول: صلاحُ أبنائهم, وهذا الهدف يشترك به الجميع حتى الكفار.

وأخص منه: حفظهم من رفقاء السوء, والعناية بصحتهم وعقولهم. وهذا هدف أخصّ من الأول, لكنه عامٌّ وواسعٌ أيضًا.

وأخص منه -وهو الهدف الصحيح السليم-: أنْ يضع الوالدان والأبناء خطّةً يتفقون عليها, ترسم ما سيحصّلونه في العام كلّه, وتُحدّد الأوقات اليوميّة للمذاكرة واللعب, والأوقاتَ المخصصةَ لمشاهدة التلفاز والتقنية الحديثة, ومُحاسبةَ المقصر, والاتفاقَ على نظام الجوائز للملتزمين, والعقابِ للمقصرين والمخالفين.

وأضرب مثالاً لك - يا طالب العلم-: هدفُك الأسمى رضا الله تعالى, وهذا يشترك به الجميع.

وأخص منه: تحصيل العلم النافع, بالقراءة وحضور الدروس النافعة.

وأخص منه -وهو الهدف الصحيح السليم-: أنْ ترسم لنفسك جدولاً يوميًّا, تسير عليه عامَك كلَّه, يُحدّد فيه الوقت الذي تقرأ فيه, ونوع العلم والفنّ الذي ستدرُسُه, والفائدة التي تجنيها من هذا العلم.

هكذا تكون الأهدافُ واضحةً دقيقةً عمليّة.

فالذي لا يرسمُ لنفسِه هدفًا يطمح إليه, وغايةً يتطلّع إليها: لن ينجح في حياته, ولن يُوَفَّقَ في مَعادِه.

فحاسب نفسك - يا طالب العلم- واسألها: ماذا أنجزتُ خلال عامٍ مضى؟ وماذا أنتجتُ, وماذا اكْتسبتُ من عِلْمٍ وعملٍ صالح؟

فقد أمضيت عامًا كاملاً على طلبك للعلم- إن لم يكن أكثر- ماذا أكسبك هذا العلم, وهل أثَّرَ فيك عملاً ونفعًا وبذلاً؟

لماذا طالبُ العلم الفلانيُّ برع وأنتج ونفع الناس, ورسخ في العلم, وقد يكون طَلَبَ العلم في مدّةٍ وزمنٍ أقل.

فإلى متى ستظل تسير على غير نظامٍ ولا خطّةٍ صحيحة؟

وإلى متى ستظل على طريقتك الخاطئة تتقلب بين الكتب والشيوخ, وتُعاني من ضيق الوقت, وقلّة الإنتاج والتحصيل؟

واعلم أنَّ مِن أعظم سعادة الإنسان ولَذَّتَه أنْ يُتْقن الخطة التي رسمها لنفسِه, ويُحقق الهدف الذي يصبو إليه.

فَمِنْ أسعد أيام التاجر إذا أنجز عمله اليوم حسب الخطة التي رسمها ويطمح لها, بأن يربح ربحًا كبيرًا, ويُطور ويُنجز عمله دون خلل.

وأسعد أيام المزارع ذاك اليوم الذي يُنجز فيه عمله بإتقان, ويحصد الزرع بيُسْرٍ ودون معوِّقات, أو يحصد ما زرعه دون عاهات فيه.

وأتعس أيامهم: اليوم الذي يخسرون فيه الأوقات بدون فائدةٍ ومنفعة, أو اليوم الذي تكاسلوا فيه عن العمل بلا حاجةٍ صارفةٍ عنه.

وهكذا طالب العلم: أسعد أيامه ذاك اليوم الذي يجتهد فيه قراءةً وبحثًا وحفظًا, ويُرهق نفسه يومه كلّه, فما إنْ يخلد يستيقظ من نومِه الذي سبقه العناءُ والتعب إلا وشعر بلذةٍ تأتي على تعبه كلّه فتُنسيه إياه, وتتبخر معاناته في لحظةٍ واحدةٍ من هذه اللذة التي لا يشعر بها إلا من أحس بها.

وأشقى أيامه: تلك الأيام التي يقضيها بلا كدٍّ وجدّ, بل يمْضيها بالسهر مع الأقران, أو بكثرة السفريات التي لا هدف من ورائها, أو بتشتت القراءة وتنوعها دون هدفٍ واضحٍ منها.

2- خصِّص كلَّ زمنٍ بفنٍّ مُعَيَّنٍ, واحذر من القراءة غيرِ الْمُنضبطة والْمُنظمة, كحالِ مَنْ يَخْبِطُ خَبْط عَشْوَاء[184], فهي تجعلك مثقَّفًا لا متمكنًا, عارفًا لا عالِمًا.

فمثلا: تخصص الإجازة الصيفية بالقراءة في كتب الأصول, وقُبيل رمضان تقرأ في باب الزكاة والصيام, ويكون رمضان للقرآن وتفسيره.

قال الطناحي رحمه الله : من انقطع إلى شيء أتقنه. ا.ه[185]

3- لابد من العناية بالحفظ قدر الْمستطاع, والمحفوظات تبقى غالبًا, بخلاف القراءة المجردة, وخاصة التي تكون بدون تكرار.

"وأوَّل الحفظ شديدٌ يشق على الإنسان ، ثم إذا اعتاد سهل ، وكان العلماء يقولون : كلٌّ وعاءٍ أَفرغت فيه شيئًا فإنه يضيق إلا القلب ، فإنه كلَّما أُفرغ فيه اتسع".[186]

قال أبو هلال العسكري رحمه الله تعالى: "وإذا كان ما جمعتَه من العلم قليلا وكان حِفْظا كثرت المنفعة به ، وإذا كان كثيرا غير محفوظ قلَّت منفعته". ا.ه[187]

ولكن إذا وجد طالبُ العلم مشقّةً وضعْفًا في الحفظ فلا ينبغي أنْ يُجبرها على ما لا تُطيق, ولْيقتصر على الحفظ اليسير.

قال ابن الجوزي رحمه الله: "تقليلُ المحفوظ مع الدوام أصلٌ عظيمٌ, ومن لم يجد نشاطًا للحفظ فليتركه، فإنَّ مكابرةَ النفس لا تصلح". ا.ه[188]

4- نظّم جدول يومك, واعلم أنّك لن تَتَمَكَّنَ من العلْم إلا إذا رتّبتَ وقتك ترتيبًا دقيقًا.

ولا تجعل مُراجعتك أو حفظك أو قراءتك حسب فراغك, بل اجعل لكلٍّ من ذلك وقتًا لا يتغيّر, إلا للضرورة الْملحّة, أو الحاجة الْمهمّة.

واعلمْ أنّ عمل ساعةٍ في الصبح خيرٌ وأعظمُ مِن عملِ ساعاتٍ في منتصف النهار, فقد صحّ عَنْ صَخْرٍ الغَامِدِيِّ رضي الله أنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا".

قَالَ: وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً، أَوْ جَيْشًا، بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ.

وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلاً تَاجِرًا، وَكَانَ إِذَا بَعَثَ تِجَارَةً بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ، فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ.[189]

فأهمّ الأوقات التي لا تتنازل عنها أبدًا: قُبيل وبعد الفجر, فهو الوقت المبارك, وهو الذي إنْ داومتَ على اسْتغلاله, سترى البركة في جميع أوقاتك.

وسأقترح عليك تنظيمًا عامًّا, وانْظر ما يُناسبك فَسِرْ عليه:

اليوم

قبل الفجر

بعد الفجر

( إلى شروق الشمس)

الضحى

( نصف ساعة على الأقل)

الظهر

(نصف ساعة على الأقل)

العصر

(ساعة على الأقل)

المغرب

العشاء

(ساعة على الأقل)

الأحد

قيام الليل

القرآن

حفظ متن

­

تحضير أو مراجعة

درس

القراءة المنهجيّة

حضور درس أو جلسة مع الأهل

قراءة أو بحث أو مُذاكرة

الاثنين

قيام الليل

القرآن

مُراجعة متن

تحضير أو مراجعة درس

القراءة المنهجيّة

حضور درس أو جلسة مع الأهل

قراءة أو بحث أو مُذاكرة

الثلاثاء

قيام الليل

القرآن

حفظ متن

تحضير أو مراجعة درس

القراءة المنهجيّة

حضور درس أو جلسة مع الأهل

قراءة أو بحث أو مُذاكرة

الأربعاء

قيام الليل

القرآن

مُراجعة متن

تحضير أو مراجعة درس

القراءة المنهجيّة

حضور درس أو جلسة مع الأهل

قراءة أو بحث أو مُذاكرة

الخميس

قيام الليل

القرآن

حفظ متن

تحضير أو مراجعة درس

القراءة المنهجيّة

حضور درس أو جلسة مع الأهل

قراءة أو بحث أو مُذاكرة

الجمعة

قيام الليل

القرآن

مُراجعة متن

تحضير أو مراجعة درس

القراءة المنهجيّة

حضور درس أو جلسة مع الأهل

قراءة أو بحث أو مُذاكرة

السبت

قيام الليل

القرآن

مُراجعة متن

راحة:

(لأهلك ولنفسك عليك حقّ)

راحة:

لأهلك ولنفسك عليك حقّ

راحة:

لأهلك ولنفسك عليك حقّ

راحة:

لأهلك ولنفسك عليك حقّ

***

آداب طالب العلم وسبل بنائه ورسوخه · الصفحة ١٣٥

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

آداب طالب العلم وسبل بنائه ورسوخهص ١٣٥