﴿جميل عَسى الله أَن يأتيني بهم جَمِيعًا إِنَّه هُوَ الْعلم الْحَكِيم (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُم وَقَالَ يَا أسفى على يُوسُف وابيضت عَيناهُ من الْحزن فَهُوَ كظيم (٨٤)﴾ وَذكروا لأبيهم بِمَا علمهمْ كَبِيرهمْ، ثمَّ إِن يَعْقُوب قَالَ مَا قَالَ، وَمعنى التسويل هَاهُنَا: أَن زينت لكم أَنفسكُم حمل أخيكم إِلَى مصر لتطلبوا نفعا عَاجلا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَصَبر جميل﴾ أَي: فصبري صَبر جميل. وَالصَّبْر: حبس النَّفس عَمَّا تنَازع إِلَيْهِ النَّفس وَقد بَينا معنى الْجَمِيل. وَقَوله: ﴿عَسى الله أَن يأتيني بهم جَمِيعًا﴾ يَعْنِي: يُوسُف وأخاه بنيامين ويهوذا. وَفِي الْقِصَّة: أَن ملك الْمَوْت - عليه السلام - زار يَعْقُوب فَقَالَ لَهُ: أَيهَا الْملك الطّيب رِيحه، الْحسن صورته هَل قبضت روح وَلَدي فِي الْأَرْوَاح؟ فَقَالَ: لَا. فسكن يَعْقُوب على ذَلِك، وَعلم أَنه حَيّ وطمع فِي رُؤْيَته. وَقَوله: ﴿إِنَّه هُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم﴾ مَعْنَاهُ: الْعَلِيم بمكانهم، الْحَكِيم فِي تدبيرهم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُم وَقَالَ يَا أسفى على يُوسُف﴾ الْآيَة. رُوِيَ أَن بنيامين لما حَبسه يُوسُف اشْتَدَّ الْأَمر على يَعْقُوب غَايَة الشدَّة وَبلغ الْحزن [بِهِ نهايته]، وَلم يملك بعد ذَلِك الصَّبْر، فجزع، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُم﴾ أَي: أعرض عَنْهُم ﴿وَقَالَ يَا أسفى﴾ وروى أنس بن مَالك - رضي الله عنه - عَن النَّبِي: " أَن بعض إخْوَان يَعْقُوب زَارَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا يَعْقُوب، مَا الَّذِي أعمى عَيْنَيْك وقوس ظهرك؟ فَقَالَ: أعمى عَيْني كَثْرَة الْبكاء على يُوسُف، وقوس ظَهْري شدَّة الْحزن على بنيامين، فَبعث الله تَعَالَى إِلَيْهِ جِبْرِيل - عليه السلام - وَقَالَ: يَا يَعْقُوب أَتَشْكُونِي إِلَى خلقي؟ ! فَبعد ذَلِك دخل بَيته ورد بَابه، و﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بثي وحزني إِلَى الله﴾ " وَمعنى