وفيها توفي سفيان الثوري، وكان مولده سنة سبع وتسعين.
وفيها توفي إبراهيم بن أدهم بن منصور الزاهد، وكان مولده ببلخ، وانتقل إلى الشام، فأقام به مرابطا، وهو من بكر بن وائل.
قال إبراهيم بن يسار، سألت إبراهيم بن أدهم، كيف كان بدو أمرك حتى صرت إلى الزهد؟ قال: غير هذا أولى بك، فما زال يلح عليه بالسؤال حتى قال: إني من ملوك خراسان، وكان قد حبب إلي الصيد، فبينما أنا راكب فرسا وكلبي معي، إذ تحركت على صيد، فسمعت نداء من ورائي: يا إبراهيم، ليس لهذا خلقت، ولا به أمرت، فوقفت مقشعرا أنظر يمنة ويسرة، فلم أر أحدا، قلت: لعن الله إبليس. ثم حركت فرسي، فسمعت من قربوس سرجي: يا إبراهيم ليس لهذا خلقت ولا به أمرت فوقفت وقلت هيهات! جاءني النذير من رب العالمين، والله لا عصيت ربي، فتوجهت إلى أهلي وجئت إلى بعض رعاء أبي فأخذت جبته وكساءه، وألقيت إليه ثيابي، ثم سرت حتى صرت إلى العراق، ثم صرت إلى الشام، ثم قدمت إلى طرسرس، فأستأجرني شخص ناطور البستان، قال: فمكثت في البستان أياما كثيرة، كلما اشتهرت، اختفيت وهربت من الناس، وكان إبراهيم بن أدهم يأكل من عمل يده، مثل الحصاد وحفظ البساتين، والعمل في الطين، رحمه الله تعالى.
ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائة فيها تجهز المهدي لغزو الروم، وجمع العساكر من خراسان وغيرها، وعسكر بالبردان وسار عنها، وكان قد استخلف على بغداد، ابنه موسى الهادي، واستصحب معه ابنه هارون الرشيد، فلما وصل المهدي إلى حلب، بلغه أن في تلك الناحية زنادقة، فجمعهم وقتلهم وقطع كتبهم.
وسار إلى جيحان، وجهز ابنه هارون بالعسكر إلى الغزو، فتغلغل هارون في بلاد الروم، وفتح فتحات كثيرة، ثم عاد سالما منصورا.
وفيها قتل المقنع الخرساني، واسمه عطا، وكان من حديثه، أنه كان رجلا ساحرا، خيل للناس صورة قمر يطلع ويراه الناس من مسافة شهرين، وإلى هذا القمر أشار ابن سناء الملك بقوله:
إليك فما بدر المقنع طالعا بأسحر من ألحاظ بدري المعمم
وادعى المقنع المذكور الربوبية، وأطاعه جماعة كثيرة، وقال: إن الله عز وجل حل في آدم، ثم في نوح، ثم في نبي بعد آخر، حتى حل فيه، وعمر قلعة تسمى سنام، بما وراء النهر من رستاق كيش، وتحصن بها، ثم اجتمع عليه الناس وحصروه في قلعته، فسقى نساءه سما فمتن، ثم تناول منه فمات في السنة المذكورة، لعنه الله، فدخل المسلمون قلعته وقتلوا من بها من أشياعه، وكان المقنع المذكور في مبدأ أمره قصارا، من أهل مرو وكان مشوه الخلق أعور قصيرا، وكان لا يسفر عن وجهه، بل اتخذ له وجها من ذهب قتقنع به، ولذلك قيل له المقنع.
ثم دخلت سنة أربع وستين ومائة فيها مات عم المنصور، عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس، وعمره ثمان وسبعون سنة.
ثم دخلت سنة خمس وستين ومائة: فيها أرسل المهدي