الهائعة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لِذَلكَ غَسَّلَتهُ المَلائِكَةُ» (1). فلا حجة فيه، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يغسله، واكتفى بتغسيل الملائكة له، فلا يقاس عليه تغسيل البشر، لأن تغسيل البشر يكون بالماء، وتغسيل الملائكة غير محسوس لنا.
قوله: (وَيُنَحَّى عَنهُ الجُلودُ، والحَديدُ، ويُزَمَّلُ في ثِيابهِ نَدْبَاً) أي: أن الشهيد تنحى عنه الجلود، كسير ربط به إزاره أو رداءه (والحَديدُ) كسيف وسكين ونحوهما. (ويُزَمَّلُ في ثِيابهِ) أي: يلف في ثيابه، تقول: زمّلته بثوبه تزميلاً
فتزمَّل، مثل لَفَّفْتُهُ به فتَلَفَّفَ به (2)، ودليل ذلك حديث ابن عباس {قال: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِقَتْلى أُحُدٍ «أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمْ الحَدِيدُ، وَالجُلُودُ، وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابهِمْ» (3). وعن عبد الله بن ثعلبة بن صُعير - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم أحد: «زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابهِمْ» (4).
(1) أخرجه الحاكم (3/ 204)، والبيهقي (4/ 15)، من رواية عبد الله بن الزبير {، في ذكر قصة أحد، وهذا مرسل صحابي، وإسناده حسن، لأنه من طريق ابن إسحاق، وقال النووي في "الخلاصة" (2/ 948 - 949): "إسناده جيد" وكذا قال في "المجموع" (5/ 260)، ثم نسي ذلك فقال في ص (263): "ذكرنا أنه حديث ضعيف"! وله شاهد من حديث ابن عباس، وأنس - رضي الله عنهم - فيرتقي إلى درجة الصحيح، فانظر: "الإرواء" (3/ 167).
(2) "المصباح المنير" ص (255).
(3) أخرجه أبو داود (3134)، وابن ماجه (1515)، وأحمد (4/ 92)، والبيهقي (4/ 14) من طريق علي بن عاصم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به. وهذا إسناد ضعيف، علي بن عاصم سيء الحفظ، قال عنه في "التقريب": "صدوق يخطئ وَيُصِرُّ "، وعطاء ابن السائب قد اختلط.
(4) أخرجه أحمد (39/ 62) من طريق محمد بن إسحاق، عن الزهري، وهو مرسل، لأن ابن صُعير رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو صغير، ولم يشهد هذه القصة لأنه لم يكن مولوداً بعد، وإنما رواه عن جابر - رضي الله عنه - كما عند أحمد (4/ 64)، ثم إن لفظة: "في ثيابهم " مخالفة لسائر الروايات، فقد أخرجه أحمد (4/ 64)، والنسائي (4/ 78)، والبيهقي (4/ 11)، من طريق معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن صُعير بلفظ: «زملوهم بدمائهم» وهذا أصح، لأن معمراً أثبت من ابن إسحاق، لكنه مرسل كالأول.