أما إذا كان المسافر لا يعرف المدة التي يستغرقها لقضاء شغله فهذا لم يقصد الإقامة ولم ينوها، بل قصد قضاء حاجته، وإقامته مرهونة بها، فهذا له القصر طالت مدة إقامته أو قصرت، وعلى هذا يُستدل بحديث جابر - رضي الله عنه -، أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة (1).
أو ذَكَرَ صلاةَ سفرٍ في حضرٍ ....................................................
(1) أخرجه أحمد (22/ 44) وعنه أبو داود (1235)، وابن حبان (2749)، وأخرجه البيهقي (3/ 152) كلهم من طريق عبد الرزاق (4335): أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد ابن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر - رضي الله عنه -. وقد أُعل بالإرسال، قال أبو داود عقبه: "غير معمر لا يسنده". وقال الترمذي في "العلل الكبير" (1/ 292): "سألت محمداً عن هذا الحديث فقال: يروى عن ابن ثوبان، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلاً". وكذا قال الدارقطني كما في "التلخيص" (2/ 47)، والبيهقي (3/ 152)، وقد رواه علي بن المبارك وغيره، عن ابن ثوبان مرسلاً، كما عند ابن أبي شيبة (2/ 342)، وقد صحح النووي هذا الحديث في "المجموع" (4/ 361)، وقال: "رواية المسند تفرد بها معمر بن راشد، وهو إمام مجمع على جلالته، وباقي الإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم، فالحديث صحيح، لأن الصحيح إذا تعارض في الحديث إرسال وإسناد حكم بالمسند". وبمعناه قال -أيضا- في "الخلاصة" (2/ 734)، ونقله عنه الزيلعي في "نصب الراية" (2/ 186) وأقره. وكذا فعل الألباني في "الإرواء" (3/ 23). وما قاله النووي مبنيٌّ على القول بأن زيادة الثقة مقبولة مطلقاً، ولأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، لكن قد يشكل عليه ما ذكره الحافظ في "تهذيبه" (7/ 328) في ترجمة علي بن المبارك الهنائي البصري، أن روايته عن يحيى مقدمة على رواية غيره عنه كمعمر، إلا رواية هشام الدستوائي، والأوزاعي، عن يحيى فهي مقدمة على الجميع. فابن المبارك أثبت من معمر في يحيى. قال صالح بن أحمد عن أبيه: "ثقة، كانت عنده كتب عن يحيى ابن أبي كثير، بعضها سمعها، وبعضها عرض". وقال الدوري عن ابن معين: "قال بعض البصريين: عرض عليُّ بن المبارك على يحيى عرضاً، وهو ثقة، وليس أحد في يحيى مثل هشام الدستوائي، والأوزاعي، وهو بعدهما". وعلى هذا فيترجح الإرسال، والله أعلم.