أما الأدلة التي فيها تحديد القصر بمسافة معينة فهي إما ضعيفة -كما تقدم- أو أنها ليست صريحة في محل النِّزاع لكونها مختلفة، ولا حجة في بعضها دون بعض، والمسافر ليس مسافراً لقطع مسافة محددة بل هو مسافر لجنس العمل
سُنَّ له قصرُ رُبَاعِيَّة مُؤداةٍ إلى ركعتينِ ..........................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الذي هو السفر، وعلماء اللغة يطلقون السفر على المسافة التي لا يمكن صاحبها أن يجمع فيها بين الذهاب والعودة بمشي واحد، فمن خرج من بيته وسار أدنى سير لا يسمى مسافراً، ولذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأتي قباء، وأُحُدَاً، والعَوالي، ولا يقصر الصلاة، وكذا أصحابه، وأما قصر أهل مكة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في عرفة ومزدلفة فإنه سفر لخروجهم من مكة، وحاجتهم إلى الزاد والمزاد (1).
وينبغي أن يعلم أن المسافة الطويلة في الزمن القصير سفر، لأن الترخص لا يُنظر فيه إلى المشقة، لأنها غير منضبطة، وإنما هو معلق بوجود السفر، فالسير في الجو معتبر بمساحته من البر فلو قطع المسافة في ساعة أو أقل جاز له أن يقصر.
وإذا شك الإنسان هل يُعَدُّ سفره سفراً في العرف فإما أن يأخذ بتقدير المسافة وهي بضعة وثمانون كيلاً -كما تقدم- أو يتم عملاً بالأصل -على القول بأن القصر رخصة- حتى يتيقن ما يخرجه عن هذا الأصل.
(1) انظر: "المغني" (3/ 108 - 109)، "مجموع الفتاوى" (24/ 12، 39).