تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد ساق حجج الوجهتين من النظر، ثم انتهى إلى القول: "وأوجه الاحتجاج من الجانبين كثيرة، والقصد التنبيه على أنها اجتهادية، والله أعلم".

ثم قال: "وهذا ما قرره -أيضًا- في الجزء الثالث، حيث قال: "ففي المسألة نظر، ويتجاذبها طرفان".

وقال أيضاً: "ولكنه في الجزء الرابع لم يلتفت إلى هذا التفريق بين المراتب، وتمسك بأصل الإباحة في المراتب الثلاث، حيث قال: "الأمور الضرورية أو غيرها من الحاجية أو التكميلية. إذا اكتنفها من خارج، أمور لا ترضى شرعًا، فإن الإقدام على جلب المصالح صحيح، على شرط التحفظ، بحسب الاستطاعة من غير حرج. وقد ذكر أمثلة مختلطة، منها ما هو ضروري، ومنها ما هو حاجي، ومنها ما قد يكون من المرتبة الثالثة، كشهود الجنائز. غير أنه - في الجزء الثالث- أخرج عن أصل الإباحة، ما كان مباحًا بالجزء، مطلوب الترك بالكل، فإنه إذا اعترضه أو لابسه منكر، لم يجز الإقدام عليه، وذلك كالغناء المباح، أو أنواع اللهو المباحة، فلا يجوز الإقدام عليها بدعوى الإباحة، بينما يكتنفها شيء من الحرام".

فمدّعي الأصول لم يعرف هذا وحمل كلام الإمام الشاطبي على ما جهله ووافق هواه فعوّج فتواه ولجم ـ بذلك ـ هو فاه!! فكان كم أراد أن يُطبب فأعطب!!!

فالشاطبي عندما ضرب المثال لذلك في مسألة النكاح ضربه فيمن توقع أن يكون من وراء نكاحه مفسدة وهي التعرض للكسب الحرام، فهذا لا يمنعه من الإقدام عليه لما يؤول إليه التحرز من تلك المفسدة؛ فالتحرز من الوقوع في ذلك قد يؤدي إلى ما هو أشد ضررا منه كالوقوع في الزنا، وكذلك إبطال أصل النكاح.

فكلام مدّعي الأصول فاسد؛ يجنح إليه الفهم الكاسد، ومن ميزة هذا الفهم أنه إذا استدل اعتل، مع ظنه أنه اهتم وأغنم ولكن في الحقيقة أنغم!! فتطلّب التأصيل للمؤصل الشرعي، يُسند للدليل السمعي!! لأن المطلوب الضروري والحاجي الحاكم في ضرورته وحاجته الشريعة!! فكما أن الشريعة تُحسّن وتُقبّح، فكذلك هي تُقدّر الضروري والحاجي وفيهما تُفصح ولمن جنى فيهما تُصحح!! فكل ضرورة وحاجة ـ في الكليات الخمسة ـ أوجبتها الشريعة!! فالضروري والحاجي ينقسم لقسمين: الضروري والحاجي لذاته، والضروري والحاجي لغيره ـ أعني: ضرورته وحاجته متعلقة بغيرها ـ وهذا الأخير يُنظر فيه إن كان يُدخل العطب أو العدم للضرورات والحاجات الشرعية يُلحق بالأول من حيثية واجب الوجوب!!!

لنعلل لما ذكرناه ولأصله بيناه: الضروري والحاجي لذاته المتعلق ـ بالغاية العبادية المطلوبة شرعا ـ هو من واجب الوجوب وتحصيله شرعا وقصدا من أوجب الواجب؛ سواء بطريقة شرعية أو بطريقة بدعية أو بوسيلة حلالية أو وسيلة حرامية!! مثاله عدم اتلاف النفس وواجب بقائها لذاتها؛ لتعلقها بالغاية التي خلقت لها وهي العبادية!! لقوله تعالى ﴿ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾؛ فلما كانت العبادة أصلا مطلوبا لذاته أوجب ذلك على النفس البقاء لتلك الغاية الذاتية!! فتحتّم عليها ـ من حيث واجب الوجوب ـ تحصيل ذلك بطريق حلال شرعي أو حرام بدعي!! لهذا قال تعالى: ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾؛ فالاضطرار ـ لبقاء النفس حية مريدة ـ وتلك هي الضرورة والحاجة لذاتها ـ أوجب عليها تحصيل ذلك بحلال أو حرام؛ كأكل لحم الخنزير إذا تحقق الضرر ـ أعني: الإتلاف ـ بدونه ـ لتلك الضرورة والحاجة لذاتها، فتوجب ـ من حيث واجب الوجوب ـ أكل لحم الخنزير؛ لبقاء النفس حية للغاية العبادية؛ مع أن واجب اتلافها قد يتعين؛ لحفظ الغاية العبادية المطلوبة شرعا!! كيف ذلك!! فإذا داهمنا عدو وجب دفعه بما أمكن وإهلاك النفس في ذلك لتسلم تلك الغاية العبادية وهي بروز الدين وإقامته!! فإذا فهمنا ذلك علمنا أن الحاجة والضرورة لذاتها وبغيرها منوطة في تحقيقها سواء بوسيلة حلالية أو حرامية أو سنية أو بدعية هي لتحقيق الغاية الخلقية العبادية وهي حفظ الدين في الاستقواء والضعف!! فمتى حفظ الدين بحلال أو حرام كان ذلك من واجب الوجوب!! فأين هذا من الذي يُجيز الوسيلة الحرامية لذاتها؛ كالعمل في البنوك الربوية لحفظ الضرورة البهيمية؟؟!!

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٩٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٩٨١