تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إصلاح الثّلم لما جاء في فتوى (طارق عبدالحليم) في (جواز العمل في البنوك الربوية) من فهم سقم!

أناقش في هذه المقالة فتوى لرجل يدّعي العلم وخاصة علم الأصول والتوحيد! وهي في جواز العمل في البنوك الربوية اعتمد فيها على أصل في المقاصد!

وهي للمدعو (طارق عبدالحليم) فقد ختم كتابه في "الأصول" (مفتاح الدخول إلى علم الأصول) بقاعدة مهمة في الشريعة بناها على كلام للإمام الشاطبي في "الموافقات".

قال العلامة الأصولي! - حسب ثنائه على نفسه كثيراً في العلم-: "إذا كان هناك مطلوب ضروري أو حاجي وقد لابسه واكتنفه أمور غير مشروعة ولكن درجة الطلب الشرعي اعلى منها فيكون الإقدام على الفعل - مع تحمّل ما فيه من نهيّ شرعيّ- مقدم على النهي لجلب مصلحة الضروري أو الحاجي بشرط التحفظ حسب الاستطاعة والاحتراز من المنهي عنه من غير حرج وعنت.

ومثال ذلك: النكاح: الذي يلزم عنه في عصرنا طلب القوت والرزق للعيال، مع أن العصر قد شاب الحرام والشبهات كل مساعي الرزق تقريباً، فإن منع ذلك لأدى إلى إبطال أصل النكاح وهو غير صحيح، ولكن يؤتى النكاح مع التحرز ما أمكن عن وسائل الحرام في طلب الرزق.

ومثاله: العمل في البنوك الربوية لمن لا حيلة له في الحصول على وظيفة بشرط تجنب ما يمكنه من التعامل مباشرة مع الفوائد وتحسينها للعملاء وخلافه، فإن الحصول على الرزق للنفس والعيال مقدم على شبهة التعامل في الحرام ... ".

ثم أتى بقول الشاطبي: "ومن هذا الأصل أيضا تستمد قاعدة أخرى، وهي أن الأمور الضرورية أو غيرها من الحاجية أو التكميلية إذا اكتنفتها من خارج أمور لا ترضى شرعا، فإن الإقدام على جلب المصالح صحيح على شرط التحفظ بحسب الاستطاعة من غير حرج، كالنكاح الذي يلزمه طلب قوت العيال مع ضيق طرق الحلال واتساع أوجه الحرام والشبهات، وكثيرا ما يلجئ إلى الدخول في الاكتساب لهم بما لا يجوز، ولكنه غير مانع لما يؤول إليه التحرز من المفسدة المربية على توقع مفسدة التعرض، ولو اعتبر مثل هذا في النكاح في مثل زماننا، لأدى إلى إبطال أصله وذلك غير صحيح. وكذلك طلب العلم إذا كان في طريقه مناكر يسمعها ويراها، وشهود الجنائز وإقامة وظائف شرعية إذا لم يقدر على إقامتها إلا بمشاهدة ما لا يرتضى، فلا يخرج هذا العارض تلك الأمور عن أصولها". انتهى كلامه.

قلت: هذا الأصل عند الشاطبي هو: (النظر في المآلات) وهو هنا جلب مصلحة للمسلم، لكن المصلحة حتى تكون معتبرة لا بدّ أن يتوافر فيها بعض الشروط، ومن هذه الشروط: عدم معارضتها للنّص (من الكتاب أو السنة) أو الإجماع.

يقول محمد طاهر حكيم: "فإِن عارضت المصلحَة نصا فَهِيَ إِمَّا أَن تكون موهومة لَا تستند إِلَى أصل تقاس عَلَيْهِ، فَهِيَ لَا عِبْرَة بهَا فَإِذا توهم متوهم أَن مصلحَة النَّاس تَقْتَضِي حريَّة تعاملهم بالربا فالتعارض لَيْسَ إِلَّا بَين وهمه وَكَلَام الله تَعَالَى، أما حَقِيقَة الْمصلحَة فَهِيَ مَا قضى بِهِ كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ضَرُورَة إغلاق بَاب الرِّبَا".

ثم لو كان صاحب هذا الباطل من أهل الأصول لما أفتى بما تستنكره العقول! ولا يقول به إلا كلّ جاهل عَجول!

وقد بيّن صاحب كتاب "نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي" (أحمد الريسوني) أن هذه المسألة تعرض لها الشاطبي غير ما مرة، وعالجها بناء على ما تقرر عنده في المقاصد، فجعل حكم هذه المباحات مع عوارضها المحرمة، يختلف باختلاف مرتبتها في سلم المقاصد، وكان مما ذكر: "وأما إذا كانت هذه المباحات التي تعترضها عوارض المنع، لا ترقى إلى مرتبة الضروريات، ولا يحصل بتركها حرج، فهي في محل الاجتهاد. ومرجعها إلى الخلاف في "تعارض الأصل الغالب" فالتمسك بالأصل يؤدي إلى إبقائها على الإباحة. والتمسك بالغالب يؤدي إلى ترجيح جانب العوارض، والحكم بالمنع.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٩٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٩٨٠