وروى ذلك الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (13/ 102) قال: حُدّثت عن أبي عمرو محمد بن أحمد بن حمدان الحيري، قال: سمعت أبا العباس بن سعيد بن عقدة وسألته عن محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج النيسابوري، أيهما أعلم، مثله.
فتعقبه الخطيب بقوله: "قلت: إنما قفا مسلم طريق البخاري ونظر في علمه وحذا حذوه، ولما ورد البخاري نيسابور في آخر أمره لازمه مسلم وأدام الاختلاف إليه"، ثم ساق عن أبي الحسن الدارقطني قال: "لولا البخاري لما ذهب مسلم ولا جاء"، وساق عن أبي حامد أحمد بن حمدون القصار قال: "سمعت مسلم بن الحجاج - وجاء إلى محمد بن إسماعيل البخاري، فقبَّل بين عينيه وقال: دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله".
قلت: لا شك في أن البخاري أعلم بالحديث من الإمام مسلم وخاصة في علم العلل والرّجال، وتعليل ابن عقدة في أن مسلماً لم يقع فيما وقع فيه البخاري لأنه كتب المسانيد ولم يكتب المقاطيع والمراسيل تعليل لا يصح؛ لأن الذي يكتب المقاطيع والمراسيل يكون أعلم ممن لم يكتبها وإن وقع له الوهم في ذلك؛ ولم يتنبه ابن عقدة إلى أن الإمام مسلماً يتبع البخاري في كتابه في الكنى والأسماء ويحذو حذوه فيه.
وما ذكره ابن عقدة أن الغلط يحصل له بذكره الواحد منهم بكنيته ثم يذكره مرة أخرى باسمه، متوهماً أنهما اثنان يحتاج إلى تتبع ودراسة؛ لأن الكنى عند البخاري منفصلة عن كتابه، وهي لا شك جزء منه، وذكره الراوي باسمه، ثم إعادته في الكنى لا يدل على أنه توهم أنهما اثنان، بل قد يكون تنبيه منه أن هذا الراوي قد يُذكر بكنيته سيما إذا كان مقلاً في الرواية.
والملاحظ أن ابن عقدة ذكر نوعاً واحداً لأوهام البخاري في الشاميين، وكان ينبغي لابن عقدة أن يدلل على ما ذكره بأمثلة. وأوهام البخاري في الشاميين قليلة جداً.
والذي نحن بصدده هنا لا يدخل فيما ذكره ابن عقدة، وإنما هو نوع آخر، وهو ما يكون الغلط فيه في أصول الشاميين أنفسهم، فيتبعهم البخاري عليه.
قال الذهبي في «تاريخ الإسلام» في ترجمة ((خالد بن اللجلاج العامري، أبي إبراهيم الدمشقي)): "وقال البخاري: سمع من عمر، والبخاري ليس بالخبير برجال الشام، وهذه من أوهامه".
وقال الذهبي أيضاً في ترجمة ((القاسم أبي عبدالرحمن الدمشقي مولى عبدالرحمن بن خالد بن يزيد بن معاوية)): "وذكر البخاري في تاريخه: أنه سمع علياً وابن مسعود، فوهم".
قلت: فكأنه وقع له في أصول بعض الشاميين حديثاً فيه سماع خالد بن اللجلاج من عمر، فذكره، وكذلك الحال فيما ذكره في سماع القاسم من علي وابن مسعود، والله أعلم.
وقال ابن رجب الحنبلي في «جامع العلوم والحِكَم» (ص 259) وهو يشرح حديث العِرباض بن سارية المشهور: "وقد ذكر البخاري في تاريخه: أن يحيى بن أبي المطاع سمع من العرباض اعتماداً على هذه الرواية إلا أن حفاظ أهل الشام أنكروا ذلك! وقالوا: يحيى بن أبي المطاع لم يسمع من العرباض ولم يلقه، وهذه الرواية غلط، وممن ذكر ذلك زرعة الدمشقي وحكاه عن دُحيم، وهؤلاء أعرف بشيوخهم من غيرهم، والبخاري - رحمه الله - يقع له في تاريخه أوهام في أخبار أهل الشام".
قلت: والمقدَّم في أهل الشام ابن عساكر، وهو الذي نبه على وهم الإمام البخاري في الترجمة التي نتكلم عليها.
قال الإمام الذهبي في «تاريخ الإسلام»: وقرأت بخط عمر بن الحاجب، قال: حَكى لي من أثق به أنَّ الحافظ عبدالغني قال: "الحافظ ابن عساكر برجال الشام أعرف من البخاري لهم، وندم على ترك السماع منه ندامةً كليّة".
· وهم للإمام البخاري! ومتابعة مسلم وابن حبان له!
ذكر البخاري في «التاريخ الكبير» في «باب حسّان» (3/ 35)، قال: "حَسَّانُ بنُ وَبْرَةَ أَبُو عُثْمَانَ النِّمِرِيُّ - قَاله إِسْحَاقُ عَنْ سَهْلٍ. وَقال مُحَمَّدُ بنُ شُعَيْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بنُ شُرَاحِيلَ: سَمِعْتُ حَسَّانَ بن وَبْرَةَ الْمُرِّيَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تزل عِصَابَةٌ بِدِمَشْقَ ظَاهِرِينَ".