الآن لفت نظري أن معهداً شرعياً في بلد إسلامي مؤلف من عشرة طوابق ، قيل أن الطوابق الثلاثة الأولى لتعليم طلاب العلم حرفاً راقيةً يحفظون بها ماء وجوههم ، في توازن ، تعلم طالب علم ليس له دخل أبداً ، فدون أن يشعر بعقله الباطن ينافق للأغنياء ، ويمدح الأغنياء ، ويستجدي منهم العطاء ، أين ماء وجهه ؟ أين كرامة العلم وعزته ؟ فهذا المعهد لفت نظري أن فيه طوابق ثلاثة لتعليم طلاب العلم حرفاً يحفظون بها ماء وجوههم .
أخواننا الكرام هذا درس في التربية ، يجب أن تربي ابنك على كسب الرزق ، أن يكون له عمل يرفع رأسه ، يكون له عمل يجعل يده هي العليا ، يكون له عمل يستغني عن أن يتضعضع أمام غني ، وأن يستذل أمامه ، وأن يخنع .
لذلك أيها الأخوة درس اليوم متعلق أن المربي الموفق ، والمعلم الموفق ، والمرشد الموفق هو الذي يبني نفوس الذين يعلمهم تربيةً متوازنة ، يعني لا بد من أن تكون دنياك صالحة لأنه فيها معاشك ، دققوا في هذا الدعاء : " اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ."
إنسان له دخل ـ أنا أتحدث عن الحد الأدنى ـ يسكن في مأوى صغير ، له زوجة ، حقق مقومات الحياة ، لا يهم مستوى طعامه لكنه يأكل ، لا يهم مستوى ثيابه ، لا يهم مستوى بيته سواء أكان بعيداً أم قريباً ، جيداً أو غير جيد ، واسعاً ، صغيراً ، هذا بيت ، مأوى ، أنا من باب الدعابة أقول له : معك مفتاح بيت عالٍ ، قبو ، أرضي ، ملك ، أجرة ، كبير ، صغير ، معك مأوى : " الحمد لله الذي آواني وكم ممن لا مأوى له " ، عندك قوت يومك ؟ طعام خشن لكن طعام يملأ المعدة ، ويقيم الأود ، عندك ثوب تلبسه انتهى الأمر ، فكلما حققت الشروط الأساسية تفرغت إلى الله عز وجل ، فالمربي الصادق هو الذي يضع في نفوس الذين يربيهم رغبة الكسب الحلال ، النبي عليه الصلاة والسلام أمسك يد ابن مسعود وكانت خشنة من العمل رفعها وقال : هذه اليد يحبها الله ورسوله .
الآن سأسمعكم بعض النصوص القرآنية والنبوية التي تحض على العمل ، أنا لا أقول لكم إنني أُكْبر الذين لهم أعمال إلا من زاوية واحدة أنهم رفعوا اسم المسلمين ، يعني مثلاً أجد مسلماً ملتزماً ، قائماً بالعبادات ، وقّافاً عند حدود الله ، وصناعياً كبيراً ، أجد مسلماً آخر متفوقاً في اختصاصه ، طبيباً لامعاً ، مهندساً متفوقاً ، فرضاً مدرس أول ، هذا الإنسان إذا تفوق في عمله أولاً حفظ ماء وجهه ، ثانياً أعطى ولم يأخذ ، ثالثاً اتسعت أمامه أبواب الخير .
أخواننا بشكل دقيق يوجد ثلاث قوى في الحياة ؛ قوة العلم ، وقوة المال ، وقوة المنصب ، هؤلاء الأقوياء الثلاثة سواء بعلمهم أو بمنصبهم أو بمالهم هؤلاء فرص العمل الصالح أمامهم كبيرة جداً ، لماذا أنت في الدنيا ؟ من أجل أن تعمل صالحاً ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام :
(( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف .))
[مسلم عن أبي هريرة]