إذا كانت حاجاته كلها غير مؤمنة وقسوة بالغة ، فلم يعد هناك رغبة عند المتعلم أن يرعى رغبات المعلم ، فعندما تقدم شيئاً ثميناً مثلاً لو فرضنا موظف يتلقى من محل تجاري مبلغاً أقل بكثير من حاجته ، وفي قسوة ، ولا يوجد معاملة طيبة ورحمة ، لا تجد هذا الموظف حريصاً على تنفيذ تعليمات صاحب المحل ، أما إذا كان الراتب مجزياً ، والمعاملة طيبة ، والمكافئات كثيرة فهذا الموظف يعد للمليون قبل أن يزعج صاحب العمل .
معلم بصف عندما يعلم بإخلاص ، ونفسه لطيفة ، ومرح مع الطلاب ، وهو أخ أكبر لهم أو أب ، فهذه المعاملة الطيبة ، والعلم الغزير ، والتوجيه الرقيق ، والقيم الأخلاقية العالية هذه تجعل الطالب حريصاً على طاعة المعلم ، والأب كذلك ، فالأب المثالي قلما يجرؤ ابنه على التطاول عليه ، لا يجرؤ لأنه أخذ حقه ، والله أعرف أخاً من أخواننا عنده أولاد أكرمهم إكراماً بالغاً ، زوَّجهم وهيأ لهم عملاً واشترى لهم بيتاً ضمن إمكانيته ، فكلما زرته والله أرى احترام أولاده له يفوق الخيال ، بعض الآباء يقولون دبر حالك أنا رُبِّيت عصامياً ، دبر حالك ، لا يساعده أبداً ، ولا يوجد كلام طيب ، ولا إنصاف ، ولا أي شيء آخر أحياناً يتطاول ، فهذه النقطة مهمة جداً حينما تقدم شيئاً ثمينا جداً لمن تعلمه أباً كنت أو معلماً فهذا الذي يتعلم منك حريص حرصاً ليس له حدود على إرضائك وعلى طاعتك ، لا تحتاج لعقوبة بعدها ، أما إذا كان لا شيء منك غير القسوة والكلام القاسي والسباب والشتائم والقهر والإذلال ولم تقدم شيئاً لمن تعلمه ، طبعاً لا قيمة لك عنده ولا يهمه غضبك أو رضاك ، فبقدر ما تقدم تكتسب هيبة وبقدر ما تكتسب هيبة لا تحتاج إلى العقوبة ، أقسم لي أحد الآباء أنه ربى كل أولاده لم يسبهم مرة ، ولا كلمة قاسية ، ولم يضرب أحداً ، الحاجات مؤمنة في توجيه سديد ، الأب مثالي حريص على تقديم كل شيء لأولاده ، فبالتربية قاعدة تقول : خطأ الابن سببه الأب ، فإذا قدمت الشيء الجيد قلما تحتاج لاستخدام عقوبة .
شيء آخر لو تصورنا أسرة فيها قسوة ، الأب يقسو ويسب الأم أمام الأولاد وقد يضربها ، والأخ الأكبر يتلقى الإهانة تلو الإهانة من الأب ، هذا الجو جو عنف ، فتجد الأخ الأكبر ضرب الأخ الأصغر وسبَّه سباباً قاسياً ، إذا كان رأس البيت قاسياً أفراد البيت يتمثلون هذه القسوة بأبشع صورها ، تجد البيت هادئاً قلما يعلو صوت ، كله ابتسامة ، واعتذار ، ومؤاثرة ، والله أكاد أبلغ درجة من الإعجاب ببعض البيوت من شدة الانضباط الذي فيها ، فيها مؤاثرة وتضحية وكلام لطيف وصون للحقوق .
عندما جاءت لسيدنا عمر كنوز كسرى كان إلى جانبه سيدنا علي ، فقال سيدنا عمر : يا سبحان الله ، سبَّح الله على هذه الأمانة ، شخص أتاه بكل هذه الملايين وتاج كسرى لو ذهب إلى أنطاكية والقسطنطينية وباع التاج واشترى بيوتاً وأراضي وقصوراً لعاش برفاهية إلى آخر حياته ، فجاء بكل