أيها الأخوة ، بالكلام يوجد كلام يسمى حشواً ، كلام تفهمه لو لم تذكره ، وأي كلام يفهم من دون أن يذكر ينبغي ألا تذكره ، دققوا في هذه الآيات :
* وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * .
( سورة يوسف الآية : 43 ) .
قال أحدهم :
* أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * .
( سورة يوسف ) .
فالملك أرسله ، وهذا الرسول وصل إلى السجن ، ودخل على السجناء ، والتقى بسيدنا يوسف ، هذا كلام لو لم تذكره مفهوم ، * أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * :
* يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا * .
( سورة يوسف الآية : 46 ) .
كل الكلام بين العبارتين حشو ، القرآن أغفله ، وأنت بحديثك أحياناً تستخدم كلمات كثيرة مفهومة ، لذلك أي كلام يفهم دون أن تذكره ينبغي ألا تذكره .
لذلك ورد عن سيدنا الصديق رضي الله عنه أنه قال : نضر الله وجه من أوجز في كلامه ، واقتصر على حاجته .
هناك كلام حشو ، ممل ، تفصيل ممل ، وهناك إيجاز مخل ، والبلاغة بين التفصيل الممل ، وبين الإيجاز المخل .
مرة سألوا رئيس دولة عظمى ، كم تعد لخطاب يستغرق خمس دقائق ؟ قال : أياماً ثلاثة ، فلما سُئل كم تعد لخطاب يستغرق ساعة ، قال ساعة ، قال : كم تعد لخطاب يستغرق ثلاث ساعات ؟ قال لا أعد له أبداً ، ثلاث ساعات خواطر .
دخل شخص على مسجد يوم الجمعة ، أقسم لي بالله أن الخطيب طرح تسعة و عشرين عنواناً كتبهم عنده ، ما عالج ولا موضوع لأنه غير محضر ، أي خاطر يأتيه يذكره ، لكن لم يعالج ولا موضوع .
فالإنسان من دون تحضير ، ولو كان فصيحاً ، من دون تحضير ، من دون أفكار متسلسلة ، من دون مقدمات ، عرض فقرات ، أفكار ، شواهد متسلسلة تسلسلاً تاريخياً أو تسلسلاً موضوعياً ، أو تسلسلاً شخصياً ، أحياناً ينتقل من شعر لشاعر ، أو من فترة لفترة ، أو من موضوع لموضوع ، في محور انتقال واضح ، محور تاريخي ، محور شخصي ، محور موضوعي ، المقدمة ، وعرض الفكرة ، والتأكيد عليها بشاهد ، وربطها بالفكرة القادمة ، والانتقال وفق موضوعات معينة ، أو أشخاص معينين ، أو تسلسل تاريخي معين .