تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكِن هَذَا الأَمْر لا يُجابُون إليه، وإن كَانَ فِي ذلك نصرٌ للرَّسُول لكِنهم لا يجابون إِلَى ذلك؛ لِأَنَّهُم إذا أُجِيبوا إليه صار معناه أَنَّهُم يجابون عَلَى اقتراحاتهم، مثلما قالوا لما قيلَ لهم عن البعث؛ قَالُوا: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦)﴾ [الدخان: ٣٦]، فيقال لهم: الرُّسُلُ ما قالوا لكم: إنكم تُبْعَثُون الآنَ، تُبْعَثُون يومَ القيامةِ، لو قَالُوا: تُبْعَثُونَ الآن، كنا نَقُول: نعم ائْتُوا بآبائهم، لكِنهم قَالُوا: تُبْعَثون يوم القيامة وانتظروا يوم القيامة وستجدون آباءكم.

يَقُول الله عز وجل حكايةً عن صالحٍ: ﴿لَوْلَا﴾ قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [هَلَّا ﴿تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ مِنَ الشركِ]، ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى (هلا) وهَذَا من معاني ﴿لَوْلَا﴾ أن تكون للتحضيضِ، ولها معانٍ أخرى أيضًا، ويقال فيها: حرف امتناع لوجودٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ [الحج: ٤٠]، امتنع تهديم الصوامع لدفعِ اللهِ سبحانه وتعالى النَّاسَ بعضَهم ببعضٍ.

ما الَّذِي يُعَيِّنُ هَذَا المَعْنى من هَذَا المَعْنى؟

يُعَيِّنُه السياقُ، وبهَذَا وبكثير من أمثالِهِ يَتبَيَّنُ أن الكلمات لَيْسَ لها معنى ذاتيّ، بمعنى أَنَّهَا خُلِقَتْ له، وإنما هِيَ قوالبُ وثيابٌ للمعنى الَّذِي يَدُلّ عليه السياقُ، فأيّ ثوبٍ تُرَكِّبه لمعنًى يَدُلّ عليه السياقُ فَهُوَ هو، وبهَذَا التقرير أيضًا يتبين أنَّ ما ذهبَ إليه شيخُ الإسْلام ابنُ تَيْمِيَّة رحمه الله من أنه لا مجاز في اللُّغة العَربيَّة أَنَّهُ أمر صحيحٌ (١)، وأن كُلّ كلمة اسَتُعملت فِي مَقامها فهي حقيقة فيه، وكون أَنَّهُ مثلًا ما تعرف بهَذَا اللفظ إِلَّا لذاك المَعْنى الَّذِي لم تُسْتَعْمَل فِيهِ ما يَدُلّ عَلَى أن ذاك هُوَ معناها الذاتيّ؛ لأنَّنا نَقُول: لَيْسَ للكلمات معنى ذاتيّ، واللهُ أَعْلَمُ.

(١) انظر: الحقيقة والمجاز ضمن مجموع الفتاوى (٢٠/ ٤٠١ - ٤٩٧).

تفسير العثيمين: النمل · الصفحة ٢٣١

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير العثيمين: النملص ٢٣١