وعند هذا : فيجب حمل الآية على الفسق الكامل ، جمعا بينه ، وبين ما ذكرناه من الأدلة ، ويكون تقدير الآية : ( 04 إن المنافقين هم الفاسقون ) (1) بالفسق الكامل ، وما ذكروه من الخبر ؛ فقد قال علماء الأخبار : إنما ورد فى المنافقين فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم ويجب الحمل عليه جمعا بينه ، وبين ما ذكرناه من الأدلة.
** قولهم
: إن من وقر الإيمان فى صدره ، لا يكون منهمكا على فعل المعاصى ليس كذلك ؛ فإنه لا يبعد ممن وقر الإيمان فى صدره ، وعلم أن عذاب لحظة من الآخرة يزيد على نعيم الدنيا ، أن يقدم على المعصية اغترارا منه بما يتوقعه من كرم ربه ، وعفوه وصفحه عنه وإقلاعه عن المعصية بالتوبة ، والإنابة إلى الله تعالى على ما هو معلوم من حال كل عاص من المؤمنين ؛ ويدل عليه : فعل الصغائر ؛ فإنها وان دلت على مخالفة أمر الله تعالى ونهيه ، وتقديم اللذات العاجلة على طاعة الله تعالى ، فلا تدل على أن فاعلها ليس بمؤمن بالإجماع ، وليس ذلك إلا لما ذكرناه فى فعل الكبيرة ،
كيف ..؟ وأن اسم النفاق مخصوص لمستبطن الكفر ، ومظهر ضده باجماع المسلمين ، وهو مشتق من النافقاء (2)، وهو جحر من جحر اليربوع فى الأرض ، قد أعده للخروج منه إذا أتى عليه من الحجرة الظاهرة ، ومرتكب الكبيرة ، غير مستبطن للكفر ولا معتقد لنقيض الحق ؛ فلا يكون منافقا.
** فإن قيل :
قد روى عن عمر رضى الله عنه انه سأل حذيفة بن اليمان (3) لما عرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم المنافقين وأسماءهم ، وقال له : هل عدنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المنافقين ولو كان النفاق عبارة عن استبطان الكفر ؛ فعمر رضى الله عنه كان يعلم من نفسه أنه لم يكن مستبطنا للكفر ، فكيف تشكك فى نفسه؟
** قلنا
: إنما سأل عن ذلك نظرا إلى المآل ، وخاتمة العمل علي ما جرت به العادة من وجل الأولياء / والصالحين من سوء العاقبة ، وما جرى به القلم فى السابقة ، اما أن يكون ذلك لتشككه فى حال نفسه ، فى الحالة الراهنة ؛ فلا.