وأما قوله تعالى : ( 04 وإن الفجار لفي جحيم ) (1) لا نسلم العموم فى الألف واللام فيه.
وإن سلمنا العموم فيه ؛ ولكن لا نسلم أن قوله تعالى : ( 04 وما هم عنها بغائبين ) (2) للتأبيد.
ولهذا يصح أن يقال : فلان لا يغيب عنى ، إذا كان غالب أحواله كذلك ، وإن غاب عنه فى بعض الأوقات ، ولو كان ذلك للتأبيد حقيقة ؛ لكان هذا الإطلاق تجوزا ، ولا يخفى أن الأصل فى الإطلاق الحقيقة ، ولا يلزم منه الاشتراك ؛ لإمكان أن يكون المدلول هو الملازمة فى الغالب ، والدائم مشتمل على الغالب وزيادة.
سلمنا دلالة ما ذكروه من الآيات على الخلود بمعنى التأبيد ، غير أنه يجب حملها على الكفار جمعا بينها ، وبين ما ذكرناه من الدليل العقلى ؛ ثم إنها معارضة بما سبق من آيات الوعد ؛ وبما القرآن مشتمل عليه من آيات الوعد بالثواب كما فى قوله تعالى : ( 06 فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) (3) وقوله تعالى : ( 04 ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) (4) وقوله تعالى : ( 05 هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) (5) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وقوع الثواب.
وعند ذلك : فإما أن يقال : بأنه لا منافاة بين استحقاق الثواب والعقاب ، أو يقال بالمنافاة.
فإن كان الأول : فهو خلاف مذهبم.
وإن كان الثانى : فليس إدراج ما نحن فيه تحت آيات الوعيد ، أولى من إدراجه تحت آيات الوعد وعند تقابل السمعيات يسلم لنا ما ذكرناه من الدليل العقلى. كيف وأن الترجيح لآيات الوعد ؛ لما سبق فى الفصل الذي قبله (6).