هكذا قانون الحياة! فأصحاب المبادئ لا بُدَّ لهم من مِحَن ﴿أحسب الذين آمنوا أن يُترَكوا أن يقولوا: آمنا وهم لا يُفتَنون﴾، فمَن أراد أن يَسلك هذه الطريق فليتوقع المصائب من كل حَدَبٍ وصَوْبٍ، فاصبر حتى لو سِرْتَ على هذه الطريق وحدك، فالطريقُ طويلة والحِمْل ثقيل، ولكن الأجر جزيل ﴿وبَشِّر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون* أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾، ﴿إنه من يَتَّقِ ويَصبرْ؛ فإن الله لا يُضيعُ أَجْرَ المحسنين﴾، أمَّا أن تأتيَ على بارد الماء فهيهات!
﴿إن تكونوا تَألمون فإنهم يَألَمون كما تَالَمون، وتَرْجُون مِن الله ما لا يَرْجُون﴾.
﴿يا أيها الذين آمنوا اصبِروا وصابِروا ورابِطُوا﴾، وكيف نصبر؟ يُعلِّمنا ربنا: ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾؛ فاستعن به وأَكْثِرْ من الدعاء ... اسأل مولاك الثبات والصبر على مرِّ القضاء؛ (ومن يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّه الله، ومن يَسْتَغْنِ يُغْنِه الله، ومن يَتَصَبَّر يُصَبِّره الله: متفق عليه)، واستبشِر خيراً؛ فـ (ثلاثةٌ حقٌّ على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله ... : الترمذي وابن حِبّان وسنده حسن)، وكرِّر أحاديث الصبر وأجرِ الصابر: (يأتي على الناس زمانٌ، الصابرُ فيهم على دينه كالقابض على الجَمْر: الترمذي، وهو صحيح بمجموع الطرق)، وأَدْمِن قصص أسلافنا الذين صبروا حقّ الصبر فستَشُد عزيمتك، وستُعلي همَّتك.
ـ وإياك أن تَسْخَط من ربك! إياك أن تَشكوَ مولاك! أمّا المنافق ﴿فإذا أُوْذِيَ في الله جَعَلَ فتنةَ الناسِ كَعَذَابِ الله﴾، وأما المؤمن فـ (عَجَباً للمؤمن! إنّ أمرَه كلَّه خيرٌ، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سَرَّاء شَكَرَ فكان خيراً له، وإنْ أصابته ضَرَّاء صَبرَ فكان خيراً له: مسلم).
ـ ما أحلى هذا اللحن: (هل أنتِ إلا إصبع دَمِيْتِ ... وفي سبيل الله ما لَقِيْتِ) البخاري، قالها - صلى الله عليه وسلم - لما دَمِيَتْ إصبَعُه في إحدى المشاهد.
ـ فلله حِكَمٌ في كل الأحوال؛ ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حتى نَعْلَمَ المجاهدين منكم والصابرينَ﴾، ﴿أَحَسِب الذين آمنوا أن يُتْركوا أن يقولوا: آمنا! وهم لا يُفْتَنون؟﴾، ﴿أم حسبتم أن تَدْخُلوا الجنة ولمَّا يَعلمِ الله الذين جاهدوا منكم ويَعلمَ الصابرين﴾، إنها نار التمحيص، و (لا يُصيب المؤمنَ نَكْبةٌ مِن شوكة فما فوقها، ولا وَجَعٌ إلا رَفعَ الله له به درجة، وحطَّ عنه خطيئة: مسلم)؛ إنها تكفير للسيئات أو رفعٌ