• ثُمَّ لَوْ بَلَغَ هَذَا الْعُمُرَ، فَإِنَّهُ لَا يَصْفُو لَهُ مِنْهُ فِي الْعِبَادَةِ إِلَّا الْقَلِيْلُ؛ فَثُلُثُ عُمُرِهِ أَوْ أَكْثَرُ يَذْهَبُ فِي النَّوْمِ! وَنِسْبَةٌ مِنْهُ تَذْهَبُ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالاشْتِغَالِ بِالْمُبَاحَاتِ، نَاهِيْكَ عَنِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُقْضَى فِي الْغَفَلَاتِ، وَالْمَكْرُوهَاتِ، بَلْ وَفِي الْأُمُورِ الْمُحَرَّمَاتِ! نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْبَرَكَةَ فِي أَعْمَارِنَا.
• فَتَأَمَّلْ أَخِي الْمُسْلِمُ هَذَا الْأَمْرَ حَقَّ التَّأَمُّلِ؛ فَإِنَّهُ سَيَقُودُكَ إِلَى مَعْرِفَةِ قَدْرِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَيَشْحَذُ هِمَّتَكَ إِلَى اغْتِنَامِ لَيَالِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَعَدَمِ التَّفْرِيْطِ فِي أَوْقَاتِهَا.
فَائِدَةٌ: سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيةَ رحمه الله عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَلَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ بِالنَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ أَفْضَلُ فِي حَقِّ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَلَيْلَةَ الْقَدْرِ أَفْضَلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُمَّةِ، فَحَظُّ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ مِنْهَا أَكْمَلُ مِنْ حَظِّهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَحَظُّ الْأُمَّةِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَكْمَلُ مِنْ حَظِّهِمْ مِنْ لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ فِيهَا أَعْظَمُ حَظٍّ، لَكِنَّ الْفَضْلَ وَالشَّرَفَ وَالرُّتْبَةَ الْعُلْيَا إنَّمَا حَصَلَتْ فِيهَا لِمَنْ أُسْرِيَ بِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (١)
رَابِعًا: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَنَزَّلُ فِيْهَا، كَمَا قَالَ سبحانه وتعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: ٤].
• وَأَمَّا الرُّوحُ فَهُوَ جِبْرِيْلُ عليه السلام، عَلَى الْقَوْلِ الْأَشْهَرِ، الَّذِيْ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَعَطْفُهُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ؛ لِلتَّنبِيْهِ عَلَى فَضْلِ الْخَاصِّ وَشَرَفِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ جِبْرِيْلَ عليه السلام أَشْرَفُ الْمَلَائِكَةِ، وَمُقَدَّمُهُمْ.
(١) "مجموع الفتاوى" (ج ٢٥/ صـ: ٢٨٦).