الْمَجْلِسُ الْسَّابِعُ: فِي ذِكْرِ النِّيَّةِ فِي الصِّيَامِ
• الْحَمْدُ للهِ بَارِئ الْبَرَايَا، عَالِمِ الْأَسْرَارِ وَالْخَفَايَا، أَحَاطَ عِلْمًا بِالنِّيَّاتِ وَمَا تُكِنُّهُ الصُّدُورُ وَالطَّوَايَا، فَالسِّرُّ عِندَهُ كَالْجِهَارِ، ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠]، فَمَا عَلَى اللهِ مِنْ خَبَايَا، أَحْمَدُهُ عز وجل لَهُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ الْمُبَارَكَاتُ وَالتَّحَايَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، الْحَيُّ الَّذِيْ لَا يَمُوتُ، والْمُنَزَّهُ عَنِ النَّقْصِ وَالْفَوْتِ، كَتَبَ عَلَى خَلْقِهِ الْمَنَايَا، وَقَدَّر عَلَيْهِمُ الرَّزَايَا وَالْبَلَايَا، وَجَعَلَ مَا عَلَى الْأَرْضِ زِيْنَةً لَهَا؛ لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَتْرُكْهُمْ سُدًى، وَلَمْ يَخْلُقْهُمْ هَمَلًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، كَرِيْمُ السَّجَايَا، أَعْظَمَ اللهُ بِهِ الْمِنَّةَ وَأَجْزَلَ الْعَطَايَا، وَهَدَى اللهُ بِهِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَخَلَّصَهُمْ مِنْ أَسْرِ الشَّيْطَانِ بَعْدَ أَنْ كَانُوا لَهُ ضَحَايَا، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِيْنَ اخْتَارَهُمُ اللهُ لِلْمَجْدِ رَايَاتٍ وَلِلْحَقِّ جُندًا وَسَرَايَا، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمٍ يُوَفَّى فِيْهِ الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ، غَيْرَ نَدَامَى وَلَا خَزَايَا، أَمَّا بَعْدُ:
• فَإِنَّ مِنَ الْمَعْلِومِ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْعِبَادَاتِ، وَأَنَّ الْعِبَادَاتِ تَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٦٦٨٩)، ومسلم (رَقْم: ١٩٠٧)، مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ رضي الله عنه.
• وَمِنْ جُمْلَةِ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ: الصِّيَامُ.
• وَلَا شَكَّ أَنَّ إِخْلَاصَ النِّيَّةِ للهِ عز وجل شَرْطٌ لِقَبُولِ الْعَمَلِ، فَلَا يَقْبَلُ اللهُ عز وجل عَمَلَ عَامِلٍ إِلَّا إِذَا كَانَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ، وَكَانَ رَسُولُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هُوَ الْقُدْوَةَ الْمُتَابَعَ عَلَى ذَلِكَ.
• وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ فَضِيْلَةٍ مِنْ أَعْظَمِ فَضَائِلِ الصِّيَامِ، وَهِيَ أَنَّ دُخُولَ الرِّيَاءِ فِيهِ إِنَّمَا يَقَعُ مِنْ جِهَةِ الْإِخْبَارِ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَعْمَالِ؛ فَإِنَّ الرِّيَاءَ قَدْ يَدْخُلُهَا بِمُجَرَّدِ فِعْلِهَا.