تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحكم الرابع: متى يحل قربان المرأة؟

دل قوله تعالى: ﴿ ولا تقربوهن حتى يطهرن ﴾ على أنه لا يحل للرجل قربان المرأة في حالة الحيض حتى تطهر، وقد اختلف الفقهاء في الطهر ما هو؟

أ - فذهب أبو حنيفة: إلى أن المراد بالطهر انقطاع الدم، فإذا انقطع دم الحيض جاز للرجل أن يطأها قبل الغسل، إلا أنه إذا انقطع دمها لأكثر الحيض وهو (عشرة أيام) جاز وطؤها قبل الغسل، وإن كان انقطاعه قبل العشرة لم يجز حتى تغتسل أو يدخل عليها وقت صلاة.

ب - وذهب الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) إلى أن الطهر الذي يحل به الجماع، هو تطهرها بالماء كطهور الجنب، وأنها لا تحل حتى ينقطع الحيض وتغتسل بالماء.

ج - وذهب طاووس ومجاهد إلى أنه يكفي في حلها أن تغسل فرجها وتتوضأ للصلاة.

وسبب الخلاف: أن الله تعالى قال: ﴿ ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ الأولى بالتخفيف، والثانية بالتشديد، وكلمة (طهر) يستعمل فيما لا كسب فيه للإنسان وهو انقطاع دم الحيض، وأما (تطهر) فيستعمل فيما يكتسبه الإنسان بفعله وهو الاغتسال بالماء.

فحمل أبو حنيفة: (حتى يطهرن) على انقطاع دم الحيض، وقوله: ﴿ فإذا تطهرن ﴾ على معنى فإذا انقطع دم الحيض، فاستعمل المشدد بمعنى المخفف.

وقال الجمهور معنى الآية: " ولا تقربوهن حتى يغتسلن، فإذا اغتسلن فأتوهن " فاستعملوا المخفف بمعنى المشدد، واستدلوا بقراءة حمزة والكسائي (حتى يطهرن) بالتشديد في الموضعين.

وقالوا: مما يدل على صحة قولنا أن الله عز وجل علق الحكم فيها على شرطين:

أحدهما: انقطاع الدم وهو قوله تعالى: (حتى يطهرن) أي ينقطع عنهن الدم.

والثاني: الاغتسال بالماء، وهو قوله تعالى: (فإذا تطهرن) أي اغتسلن.

فصار المجموع هو الغاية، وهذا مثل قوله تعالى:

وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا

[النساء: 6] فعلق الحكم وهو جاز دفع الماء على شرطين: أحدهما: بلوغ النكاح، والثاني: إيناس الرشد، فلا بد من توفرهما معا.

الترجيح: أقول ما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح لأن الله تعالى قد علل ذلك بقوله: ﴿ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ﴾ وظاهر اللفظ يدل على أن المراد به الطهارة الحسية وهي الاغتسال بالماء. وهذا الذي رجحناه هو اختيار شيخ المفسرين الطبري، والعلامة ابن العربي والشوكاني والله تعالى أعلم.

الحكم الخامس: ماذا يحرم على المرأة الحائض؟

اتفق العلماء على أن المرأة الحائض يحرم عليها الصلاة، والصيام، والطواف، ودخول المسجد، ومس المصحف، وقراءة القرآن، ولا يحل لزوجها أن يقربها حتى تطهر، وهذه الأحكام تعرف بالتفصيل من كتب الفقه، والأدلة عليها معروفة وهناك أحكام أخرى ضربنا صفحا عنها لأنها لا تستنبط من الآية والله أعلم.

ما ترشد إليه الآيات الكريمة

1 - وجوب اعتزال المرأة في حالة المحيض حتى تطهر من حيضها.

2 - إباحة إتيان المرأة بعد انقطاع الدم والاغتسال بالماء.

3 - حرمة إتيان المرأة في الدبر لأنه ليس مكانا للحرث.

4 - جواز الاستمتاع بشتى الصور بعد أن يكون في محل نبات الولد.

5 - التحذير من مخالفة أمر الله وارتكاب ما نهى عنه تعالى وحذر.

خاتمة البحث:

حكمة التشريع

جعل الله تبارك وتعالى مكانا لنسل الرجل، وأحل له إتيانها في جميع الأوقات إلا في بعض حالات تكون فيها المرأة متلبسة بالعبادة كحالة الإحرام، والاعتكاف، والصيام، أو في حالة الطمث (الحيض)، وهي حالة تشبه المرض الحسي، لأنها حالة إلقاء (البويضة الأنثوية) التي لم تلقح من رحم المرأة، وغالبا ما تصحبها الآلام وتكون المرأة غير مستعدة نفسيا لهذه المباشرة الجنسية، التي يقصد بها استمتاع كل من الزوجين بالآخر.

ودم الحيض له رائحة كريهة بخلاف سائر الدماء، وذلك لأنه من الفضلات التي تدفعها الطبيعة، وهو دم فاسد، أسود، ثخين، محتدم شديد الحمرة - كما يعرفه الفقهاء - ورؤية الدم تنفر الطبع، وتشمئز منها النفس، فكيف إذا اجتمعت معه هذه الأوصاف الخبيثة؟! فإتيان المرأة في مثل هذه الحالة، فيه ضرر عظيم يلحق بالمرأة، كما أن فيه ضررا على الرجل أيضا، عبر عنه القرآن الكريم الدقيق ﴿ قل هو أذى ﴾ وأي تعبير أبلغ من هذا التعبير المعجز؟!

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٩٤