اختلف أهل العلم فيما يجب اعتزاله من المرأة في حالة الحيض على أقوال:
أ - الذي يجب اعتزاله جميع بدن المرأة، وهو مروي عن ابن عباس وعبيدة السلماني.
ب - الذي يجب اعتزاله ما بين السرة إلى الركبة، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك.
ج - الذي يجب اعتزاله موضع الأذى وهو الفرج فقط، وهذا مذهب الشافعي.
حجة المذهب الأول: أن الله أمر باعتزال النساء، ولم يخصص من ذلك شيئا دون شيء، فوجب اعتزال جميع بدن المرأة لعموم الآية ﴿ فاعتزلوا النسآء في المحيض ﴾.
قال القرطبي: " وهذا قول شاذ خارج عن قول العلماء، وإن كان عموم الآية يقتضيه فالسنة الثابتة بخلافة ".
ب - حجة المذهب الثاني: واحتج أبو حنيفة ومالك بما روي عن عائشة قالت:
" كنت أغتسل أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد كلانا جنب، وكان يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض "
وما روي عن عن ميمونة أنها قالت:
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيض "
ج - حجة المذهب الثالث: واحتج الإمام الشافعي بقوله صلى الله عليه وسلم
" اصنعوا كل شيء إلا النكاح "
وما روي عن مسروق قال:
" سألت عائشة ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ قالت: كل شيء إلا الجماع "
وفي رواية أخرى:
" إن مسروقا ركب إلى عائشة فقال: السلام على النبي وعلى أهل بيته، فقالت عائشة: أبو عائشة مرحبا فأذنوا له، فقال: إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا استحي، فقالت: إنما أنا أمك وأنت ابني، فقال: ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ قالت: له كل شيء إلا فرجها "
الترجيح: ومن استعراض الأدلة يترجح لدينا المذهب الثاني، وهو الذي اختاره ابن جرير الطبري حيث قال: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: إن للرجل من امرأته الحائض ما فوق المؤتزر ودونه ". والعلة أن السماح بالمباشرة فيما بين السرة إلى الركبة قد تؤدي إلى المحظور، لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فالاحتياط أن نبعده عن منطقة الحظر وقد قالت عائشة رضي الله عنها بعد أن روت حديث المباشرة: وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه؟ ومن جهة أخرى إذا اجتمع حديثان أحدهما فيه الإباحة والثاني فيه الحظر، قدم ما فيه الحظر، كما قال علماء الأصول والله أعلم.
الحكم الثاني: ما هي كفارة من أتى امرأة وهي حائض؟
أجمع العلماء على حرمة إتيان المرأة في حالة الحيض، واختلفوا فيمن فعل ذلك ماذا يجب عليه؟
فقال الجمهور: (مالك والشافعي وأبو حنيفة): يستغفر الله ولا شيء عليه سوى التوبة والاستغفار.
وقال أحمد: يتصدق بدينار أو نصف دينار، لحديث ابن عباس
" عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: يتصدق بدينار أو بنصف دينار ".
وقال بعض أهل الحديث: إن وطئ في الدم فعليه دينار، وإن وطئ في انقطاعه فنصف دينار.
قال القرطبي: " حجة من لم يوجب عليه كفارة إلا الاستغفار والتوبة هذا الحديث عن ابن عباس، وأن مثله لا تقوم به حجة، وأن الذمة على البراءة ".
الحكم الثالث: ما هي مدة الحيض، وما هو أقله وأكثره؟
اختلف الفقهاء في مدة الحيض، ومقدار أقله وأكثره على أقوال:
الأول: قال أبو حنيفة والثوري: أقله ثلاثة أيام، وأكثره عشرة.
الثاني: وقال الشافعي وأحمد: أقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوما.
الثالث: وقال مالك في المشهور عنه: لا وقت لقليل الحيض ولا لكثيره والعبرة بعادة النساء.
حجة أبو حنيفة: حديث أبي أمامة (أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام) قال الجصاص: " فإن صح هذا الحديث فلا معدل عنه لأحد ".
واحتج الشافعي بحديث: " تمكث إحداهن شطر عمرها لا تصلي) والشطر في اللغة النصف، فهذا يدل على أن الحيض قد يكون خمسة عشر يوما.
أقول: ليس في الآية ما يدل على أقل مدة الحيض ولا أكثره، وإنما هو أمر اجتهادي يرجع فيه إلى كتب الفروع، وتعرف الأدلة من الأخبار والآثار فارجع إليها هناك والله يتولاك.