تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال ابن عباس: (رخص للشيخ الكبير أن يفطر، ويطعم عن كل يوم مسكينا، ولا قضاء عليه).

وروى البخاري عن عطاء أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ: ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ﴾ قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هي للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا.

وعلى هذا تكون الآية غير منسوخة، ويكون معنى قوله تعالى: ﴿ وعلى الذين يطيقونه ﴾ أي وعلى الذين يقدرون على الصوم مع الشدة والمشقة، ويؤيده قراءة ﴿ يطوقونه ﴾ أي يكلفونه مع المشقة.

الحكم الثامن: ما هو حكم الحامل والمرضع؟

الحبلى والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو على ولديهما أفطرتا، لأن حكمهما حكم المريض، وقد سئل الحسن البصري عن الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما فقال: أي مرض أشد من الحمل؟ تفطر وتقضي.

وهذا باتفاق الفقهاء، ولكنهم اختلفوا هل يجب عليهما القضاء مع الفدية، أم يجب القضاء فقط؟

ذهب أبو حنيفة إلى أن الواجب عليهما هو القضاء فقط، وذهب الشافعي وأحمد إلى أن عليهما القضاء مع الفدية.

حجة الشافعي وأحمد:

أن الحامل والمرضع داخلتان في منطوق الآية الكريمة ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية ﴾ لأنها تشمل الشيخ الكبير، والمرأة الفانية، وكل من يجهده الصوم فعليهما الفدية كما تجب على الشيخ الكبير.

حجة أبي حنيفة:

أولا: أن الحامل والمرضع في حكم المريض، ألا ترى إلى قول الحسن البصري: أي مرض أشد من الحمل؟ يفطران ويقضيان، فلم يوجب عليهما غير القضاء.

ثانيا: الشيخ الهرم لا يمكن إيجاب القضاء عليه، لأنه إنما سقط عنه الصوم إلى الفدية لشيخوخته وزمانته، فلن يأتيه يوم يستطيع فيه الصيام، أما الحامل والمرضع فإنهما من أصحاب الأعذار الطارئة المنتظرة للزوال، فالقضاء واجب عليهما، فلو أجبنا الفدية عليهما أيضا كان ذلك جمعا بين البدلين وهو غير جائز، لأن القضاء بدل، والفدية بدل، ولا يمكن الجمع بينهما لأن الواجب أحدهما.

وقد روي عن الإمام أحمد والشافعي أنهما إن خافتا على الولد فقط وأفطرتا فعليهما القضاء والفدية، وإن خافتا على أنفسهما فقط، أو على أنفسهما وعلى ولدهما، فعليهما القضاء لا غير.

الحكم التاسع: بم يثبت شهر رمضان؟

يثبت شهر رمضان برؤية الهلال، ولو من واحد عدل أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما، ولا عبرة بالحساب وعلم النجوم، لقوله صلى الله عليه وسلم:

" صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما ".

فبواسطة الهلال تعرف أوقات الصيام والحج كما قال تعالى:

يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج

[البقرة: 189] فلا بد من الاعتماد على الرؤية، ويكفي لإثبات رمضان شهادة واحد عدل عند الجمهور، لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال:

" تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه "

وأما هلال شوال فيثبت بإكمال عدة رمضان ثلاثين يوما، ولا تقبل فيه شهادة العدل الواحد عند عامة الفقهاء.

وقال مالك: لا بد من شهادة رجلين عدلين، لأنه شهادة وهو يشبه إثبات هلال شوال، لا بد فيه من اثنين على الأقل.

قال الترمذي: والعمل عند أكثر أهل العلم على أنه تقبل شهادة واحد في الصيام.

روى الدارقطني: أن رجلا شهد عند علي بن أبي طالب على رؤية هلال رمضان فصام وأمر الناس أن يصوموا، وقال: أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان.

الحكم العاشر: هل يعتبر اختلاف المطالع في وجوب الصيام؟

ذهب الحنيفة والمالكية والحنابلة: إلى أنه لا عبرة باختلاف المطالع، فإذا رأى الهلال أهل بلد وجب الصوم على بقية البلاد لقوله صلى الله عليه وسلم:

" صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته "

وهو خطاب عام لجميع الأمة، فمن رآه منهم في أي مكان كان ذلك رؤية لهم جميعا.

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٦٤