تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اللطيفة الرابعة: قال القفال رحمه الله: " انظروا إلى عجيب ما نبه الله عليه من سعة فضله ورحمته في هذا التكليف، فقد نبه إلى ما يلي:

أولا: أن لهذه الأمة في شريعة الصيام أسوة بالأمم المتقدمة.

ثانيا: أن الصوم سبب لحصول التقوى، فلو لم يفرض لفات هذا المقصود الشريف.

ثالثا: أنه مختص بأيام معدودات، فإنه لو جعله أبدا لحصلت المشقة العظيمة.

رابعا: أنه خصه من بين الشهور بالشهر الذي أنزل فيه القرآن، لكونه أشرف الشهور.

خامسا: إزالة المشقة في إلزامه فقد أباح تأخيره لمن يشق عليه من المسافرين والمرضى، فهو سبحانه قد راعى في فريضة الصيام هذه الوجوه من الرحمة، فله الحمد على نعمه التي لا تحصى.

اللطيفة الخامسة: أفاد قوله تعالى: ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية ﴾ أن الشيخ الكبير والمرأة العجوز يجوز لهما الإفطار مع الفدية، والعرب تقول: أطاق الشيء إذا كانت قدرته في نهاية الضعف، بحيث يتحمل به مشقة عظيمة، وهو مشتق من الطوق وعليه قول الراغب: الطاقة اسم لمقدار ما يمكن للإنسان أن يفعله بمشقة، وذلك تشبيه بالطوق المحيط بالشيء، وقوله تعالى:

ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به

[البقرة: 286] أي ما يصعب علينا مزاولته.

والطاقة: اسم لمن كان قادرا على الشيء مع الشدة والمشقة، والوسع: اسم لمن كان قادرا على الشيء على وجه السهولة، فتنبه له فإنه دقيق.

اللطيفة السادسة: قوله تعالى: ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ المراد شهود الوقت لا شهود رؤية الهلال، إذ قد لا يراه إلا واحد أو اثنان ويجب صيامه على جميع المسلمين، و(شهد) بمعنى حضر، وفيه إضمار أي من شهد منكم الشهر مقيما غير مسافر ولا مريض فليصمه، ووضع الظاهر موضع الضمير للتعظيم والمبالغة في البيان، أفاده أبو السعود.

اللطيفة السابعة: قوله تعالى: ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ هذه الآية فيها من المحسنات البديعية ما يسمى (طباق السلب) وهي أصل في الدين ومنها أخذ الفقهاء القاعدة الأصولية (المشقة تجلب التيسير) فالله تبارك وتعالى لا يريد بتشريعه إعنات الناس، وإنما يريد اليسر بهم وخيرهم ومنفعتهم.

اللطيفة الثامنة: قال العلامة الزمخشري قوله تعالى: ﴿ ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ﴾ أي شرع ذلك يعني جملة ما ذكر، من أمر الشاهد بصوم الشهر، وأمر المريض والمسافر بمراعاة عدة ما أفطر فيه، ومن الترخيص في إباحة الفطر، فقوله: ﴿ ولتكملوا ﴾ علة الأمر بمراعاة العدة، (ولتكبروا) علة ما علم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ علة الترخيص والتيسير، وهذا نوع من اللف والنشر، لطيف المسلك، لا يكاد يهتدي إلى تبينه إلا النقاب المحدث من علماء البيان.

اللطيفة التاسعة: عبر المولى جل وعلا عن المباشرة الجنسية التي تكون بين الزوجين بتعبير سام لطيف، لتعليمنا الأدب في الأمور التي تتعلق بالنساء ﴿ هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ﴾ فالتعبير على طريقة الاستعارة والمراد اشتمال بعضهم على بعض لما تشتمل الملابس على الأجسام.

قال الإمام الفخر: " لما كان الرجل والمرأة يعتنقان، فيضم كل واحد منهما جسمه إلى جسم صاحبه، حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه، سمي كل واحد منهما لباسا ".

اللطيفة العاشرة: قوله تعالى: ﴿ حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ﴾.

قال الشريف الرضي: " هذه استعارة عجيبة، والمراد بها حتى يتبين بياض الصبح من سواد الليل، والخيطان ههنا مجاز، وإنما شبهها بذلك لأن بياض الصبح يكون في أول طلوعه مشرقا خافيا، ويكون سواد الليل منقضيا موليا، فهما جميعا ضعيفان، إلا أن هذا يزداد انتشارا وهذا يزداد استسرارا ".

روي أنه لما نزلت الآية

" قال (عدي بن حاتم) أخذت عقالين: أبيض، وأسود فجعلتهما تحت وسادتي، وكنت أقوم من الليل فأنظر إليها، فلم يتبين لي الأبيض من الأسود، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فضحك وقال: " إنك لعريض القفا، إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل " ".

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٦٠