4 - وروى البخاري عن (البراء بن عازب) أنه قال: " كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن (قيس بن صرمة) الأنصاري كان صائما، وكان يعمل بالنخيل في النهار، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك، فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية ﴿ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم ﴾ ففرحوا فرحا شديدا، فنزلت ﴿ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ﴾.
وجوه القراءات
1 - قرأ الجمهور (وعلى الذين يطيقونه) وقرأ ابن عباس (يطوقونه) بمعنى يكلفونه.
2 - قرأ الجمهور (فدية طعام مسكين) وقرأ نافع وابن عامر (فدية طعام مساكين) بجمع مساكين، وإضافة (فدية) إلى (طعام).
3 - قرأ الجمهور (فمن تطوع) على الماضي، وقرأ حمزة والكسائي (فمن تطوع) بالجزم على معنى يتطوع، وقرئ (فمن يطوع) على أنه مضارع.
4 - قرأ الجمهور (ولتكملوا العدة) بالتخفيف، وقرأ أبو بكر عن عاصم (ولتكملوا) بالتشديد.
وجوه الإعراب
1 - قوله تعالى: ﴿ كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ الكاف للتشبيه وهي صفة لمصدر محذوف و(ما) مصدرية، والتقدير: كتب عليكم الصيام كتابة مثل كتابته على من قبلكم.
2 - قوله تعالى: ﴿ أياما معدودات ﴾ قال الزجاج: منصوب على الظرف كأنه قال: كتب عليكم في هذه الأيام والعامل فيه الصيام. قال العكبري: لا يجوز أن ينتصب على الظرف، ولا على أنه مفعول به على السعة لأن المصدر إذا وصف لا يعمل، والوجه أن يكون العامل محذوفا تقديره: صوموا أياما.
3 - قوله تعالى: ﴿ فعدة من أيام أخر ﴾ تقديره: فعليه عدة فيكون ارتفاع (عدة) على الابتداء والخبر محذوف، وأخر صفة لعدة لا ينصرف للوصف والعدل عن الألف واللام.
4 - قوله تعالى: ﴿ وأن تصوموا خير لكم ﴾ أن تصوموا في موضع مبتدأ و(خير) خبره والتقدير صيامكم خير لكم، و ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ شرط حذف منه الجواب لدلالة ما قبله.
5 - قوله تعالى: ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ الشهر منصوب على الظرف، وكذلك الهاء في (فليصمه) ولا يكون مفعولا به، لأنه يلزم حينئذ المسافر لأنه شهد الشهر، قال الزمخشري: " المعنى فمن كان شاهدا أي حاضرا مقيما غير مسافر فليصم في الشهر ولا يفطر ".
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: أشارت الآية الكريمة إلى أن الصوم عبادة قديمة، فرضها الله على الأمم قبلنا، ولكن أهل الكتاب غيروا وبدلوا في هذه الفريضة، وقد كان يتفق في الحر الشديد أو البرد الشديد، فحولوه إلى الربيع وزادوا في عدده حتى جعلوه خمسين يوما كفارة لذلك.
روى الطبري بسنده عن الدي أنه قال: " كتب على النصارى شهر - رمضان، وكتب عليهم ألا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم، ولا أن ينكحوا النساء في شهر رمضان، فاشتد على النصارى صيام رمضان، وجعل يقلب عليهم في الشتاء والصيف، فلما رأوا ذلك اجتمعوا فجعلوا صياما في الفصل بين الشتاء والصيف (يعني الربيع) وقالوا: نزيد عشرين يوما نكفر بهما ما صنعنا فجعلوا صيامهم خمسين ".
اللطيفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ فعدة من أيام أخر ﴾ قال ابن العربي: هذا القول من لطيف الفصاحة لأن تقديره: فأفطر فعدة من أيام أخر، فحذف الشرط والمضاف ثقة بالظهور.
اللطيفة الثالثة: بين المولى جل ثناؤه أن الصوم يورث التقوى ﴿ لعلكم تتقون ﴾ وهذا تقليل لفريضة الصيام ببيان فائدته الكبرى، وحكمته العليا، وهو أنه يعد نفس الصائم لتقوى الله بترك شهواته الطبيعية المباحة، امتثالا لأمره واحتسابا للأجر عنده، فتتربى بذلك إرادته على ملكة التقوى بترك الشهوات المحرمة، فالصوم يكسر شهوة البطن والفرج، وإنما يسعى الناس لهذين، كما قيل في المثل السائر: (المرء يسعى لغاريه: بطنه، وفرجه).