تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لطائف التفسير

اللطيفة الأولى: قوله تعالى ﴿ في الكتاب ﴾ المراد بالكتاب الكتب التي أنزلها الله لهداية البشرية، ف (أل) تكون (للجنس) مثلها في قوله تعالى:

والعصر* إن الإنسان لفى خسر

[العصر:1-2] وقيل: المراد بالكتاب التوراة والإنجيل، فتكون (أل) للعهد الذهني.

اللطيفة الثانية: عبر باسم الإشارة البعيد ﴿ أولئك يلعنهم الله ﴾ تنبيها على قبح عملهم وغاية بعده في الإجرام، والإفساد، وأبرز الخبر في صورة جملتين توكيدا وتعظيما لخطورته، وأتى بالفعل المضارع المفيد للتجدد لتجدد مقتضيه، وأبرز اسم الجلالة ﴿ يلعنهم الله ﴾ على سبيل الإلتفات لتربية المهابة، وإدخال الروعة، إذ لو جرى على نسق الكلام المتقدم لقال (أولئك نلعنهم).

اللطيفة الثالثة: في قوله تعالى: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ ضرب من البديع يسمى (الجناس المغاير) وهو أن يكون إحدى الكلمتين إسما، والأخرى فعلا كما في هذه الآية.

اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ وأنا التواب الرحيم ﴾ جاء اللفظان بصيغة المبالغة، لأن (فعال) و(فعيل) من صيغ المبالغة كما قال ابن مالك:

فعال أو مفعال أو فعول

في كثرة عن فاعل بديل

والمعنى: كثير التوبة، واسع المغفرة والرحمة.

الأحكام الشرعية

الحكم الأول: هل هذه الآية خاصة بأحبار اليهود والنصارى؟

الآية الكريمة نزلت في أهل الكتاب من أحبار اليهود، وعلماء النصارى، الذين كتموا صفات النبي عليه الصلاة والسلام كما دل على ذلك سبب النزول، ولكنها تشمل كل كاتم لآيات الله، مخف لأحكام الشريعة، لأن العبرة - كما يقول علماء الأصول - بعموم اللفظ لا (بخصوص السبب)، والآيات وردت عامة بصيغة اسم الموصول ﴿ إن الذين يكتمون ﴾ لذلك تعم.

قال أبو حيان: " والأظهر عموم الآية في الكاتمين، وفي الناس، وفي الكتاب، وإن نزلت على سبب خاص، فهي تتناول كل من كتم علما من دين الله، يحتاج إلى بثه ونشره.

وذلك مفسر في قوله صلى الله عليه وسلم:

" من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار "

وقد فهم الصحابة من هذه الآية العموم، وهم العرب الفصح، المرجوع إليهم في فهم القرآن، كما روي عن أبي هريرة: " لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم بحديث ثم تلا قوله تعالى: ﴿ إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات والهدى ﴾ " الآية.

الحكم الثاني: هل يجوز أخذ الأجر على تعليم القرآن وعلوم الدين؟

استدل العلماء من قوله تعالى: ﴿ إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات... ﴾ الآية على أنه لا يجوز أخذ الأجر على تعليم القرآن، أو تعليم العلوم الدينية، لأن الآية أمرت بإظهار العلم ونشره وعدم كتمانه، ولا يستحق الإنسان أجرا على عمل يلزمه أداؤه، كما لا يستحق الأجر على الصلاة، لأنها قربة وعبادة، لذلك يحرم أخذ الأجرة على تعليمها.

غير أن المتأخرين من العلماء لما رأوا تهاون الناس، وعدم اكتراثهم لأمر التعليم الديني، وانصرافهم إلى الاشتغال بمتاع الحياة الدنيا، ورأوا أن ذلك يصرف الناس عن أن يعنوا بتعلم كتاب الله، وسائر العلوم الدينية، فينعدم حفظة القرآن، وتضيع العلوم، لذلك أباحوا أخذ الأجور، بل زعم بعضهم أنه واجب للحفاظ على علوم الدين، وما هذه الأوقاف والأرصاد التي حبسها الخيرون إلا لغرض صيانة القرآن وعلوم الشريعة، وسبيل لتنفيذ ما وعد الله به من حفظ القرآن في قوله:

إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

[الحجر: 9] غير أننا نجد المتقدمين من الفقهاء متفقين على حرمة أخذ الأجرة على علوم الدين. لأن العلم عبادة وأخذ الأجرة على العبادة غير جائز.

قال أبو بكر الجصاص: " وقد دلت الآية على لزوم إظهار العلم، وترك كتمانه، فهي دالة على امتناع جواز أخذ الأجرة عليه، إذ غير جائز استحقاق الأجر على ما عليه فعله، ألا ترى أنه لا يجوز استحقاق الأجر على الإسلام؟!

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٤٤