تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3 - القول الثالث: أنه تطوع (سنة) لا يجب بتركه شيء، وهو مذهب ابن عباس، وأنس، ورواية عن الإمام أحمد.

دليل المذهب الأول:

استدل القائلون بأن السعي ركن وهم (الجمهور) بما يلي:

أ - قوله عليه الصلاة والسلام:

" اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي ".

ب - ما ثبت

" أنه عليه الصلاة والسلام سعى في حجة الوداع، فلما دنا من الصفا قرأ ﴿ إن الصفا والمروة من شعآئر الله ﴾ فبدأ بالصفا وقال: " أبدؤوا بما بدأ الله به " ثم أتم السعي سبعة أشواط وأمر الصحابة أن يقتدوا به فقال: " خذوا عني مناسككم "

والأمر للوجوب فدل على أنه ركن.

ج - حديث عائشة: (لعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة).

د - وقالوا: إنه أشواط شرعت في بقعة من بقاع الحرم، وهو نسك في الحج والعمرة، فكان ركنا فيهما كالطواف بالبيت.

دليل المذهب الثاني:

واستدل (أبو حنيفة والثوري) على أنه واجب وليس بركن بما يلي:

أ - إن الآية الكريمة رفعت الإثم عمن تطوف بهما ﴿ فلا جناح عليه أن يطوف بهما ﴾ ورفع الجناح يدل على الإباحة لا على أنه ركن، ولكن فعل النبي صلى الله عليه وسلم جعله واجبا فصار كالوقوف بالمزدلفة، ورمي الجمار، وطواف الصدر، يجزئ عنه دم إذا تركه.

ب - واستدل بما روى الشعبي عن (عروة بن مضرس الطائي) قال:

" أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة فقلت يا رسول الله: جئت من جبل طي، ما تركت جبلا إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال عليه الصلاة والسلام: من صلى معنا هذه الصلاة، ووقف معنا هذا الموقف، وقد أدرك عرفة قبل ليلا أو نهارا فقد تم حجه، وقضى تفثه ".

ووجه الاستدلال في الحديث من وجهين:

أحدهما: إخباره بتمام الحج وليس فيه السعي بين الصفا والمروة.

والثاني: أنه لو كان من فروضه وأركانه لبينه للسائل لعلمه بجهله بالحكم.

دليل المذهب الثالث:

واستدل من قال بأنه تطوع وليس بركن ولا واجب بما يلي:

أ - قوله تعالى: ﴿ ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم ﴾ فبين أنه تطوع وليس بواجب، فمن تركه لا شيء عليه عملا بظاهر الآية.

ب - حديث

" الحج عرفة "

قالوا: فهذا الحديث يدل على أن من أدرك عرفة فقد تم حجه، وهذا يقتضي التمام من جميع الوجوه، العمل ترك به في بعض الأشياء، فبقي العمل معمولا به في السعي.

قال ابن الجوزي: " واختلفت الرواية عن إمامنا أحمد في السعي بين الصفا والمروة، فنقل الأثرم أن من ترك السعي لم يجزه حجه، ونقل أبو طالب: لا شيء في تركه عمدا أو سهوا، ولا ينبغي أن يتركه، ونقل الميموني أنه تطوع ".

الترجيح: ورجح صاحب " المغني " المذهب الثاني وقال: هو أولى لأن دليل من أوجبه دل على مطلق الوجوب، لا على كونه لا يتم الواجب إلا به، وقول عائشة معارض بقول من خالفها من الصحابة.

أقول: الصحيح قول الجمهور لأن النبي عليه الصلاة والسلام سعى بين الصفا والمروة وقال:

" خذوا عني مناسككم "

والاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم واجب ودعوى من قال: إنه تطوع أخذا بالآية غير ظاهر لأن معناها كما قال الطبري: أن يتطوع بالحج والعمرة مرة أخرى والله أعلم.

ما ترشد إليه الآيات الكريمة

1 - الصفا والمروة من شعائر دين الله وأعلام طاعته التي تعبدنا الله بها.

2 - السعي بين الصفا والمروة إحياء لحادثة تاريخية وقعت لأم إسماعيل عليها السلام.

3 - تمسح المشركين بالأصنام في الجاهلية عند السعي لا يمنع المؤمنين من السعي بينهما.

4 - السعي واجب على من حج بيت الله العتيق أو زاره للعمرة.

5 - التطوع بالحج والعمرة في غير الفريضة من مظاهر كمال الإيمان.

6 - الله شاكر لعباده يثيب الطائع على طاعته ويجزيه عليها خير الجزاء.

خاتمة البحث:

حكمة التشريع

أمر جل ثناؤه المؤمنين بالسعي بين الصفا والمروة، عند الحج أو العمرة، وجعل السعي من شعائر دين الله، ومن معالم طاعته، وذلك إحياء لحادثة تاريخية من أروع الذكريات في تاريخ الإنسانية، تلك هي حادثة إسماعيل عليه السلام مع أمه (هاجر) المؤمنة الصابرة، بعد أن تركهما الخليل إبراهيم عليه السلام في مكان قفر ليس فيه أنيس، ولا سمير، ولا ساكن.. تركهما امتثالا لأمر الله سبحانه في هذه الصحراء الشاسعة الواسعة، التي لا يسكنها أحد، لأن الله عز وجل يريد أن يعمرها بالسكان، ويجعل هذه البقعة المباركة مكانا لبناء بيته العتيق، ومهوى لأفئدة الملايين من البشر.

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٤١