سبب النزول
أ - عن عائشة رضي الله عنها أن عروة بن الزبير قال لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿ إن الصفا والمروة من شعآئر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما... ﴾ فما أرى على أحد جناحا ألا يطوف بهما، فقالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي، إنها لو كانت على ما أولتها كانت " فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما " ولكنها إنما نزلت أن الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله: إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية فأنزل الله: ﴿ إن الصفا والمروة من شعآئر الله... ﴾ قالت عائشة ثم قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بهما فليس لأحد أن يدع الطواف بهما.
ب - وأخرج البخاري والترمذي عن أنس رضي الله عنه أنه سئل عن الصفا والمروة فقال: " كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله: ﴿ إن الصفا والمروة من شعآئر الله.. ﴾.
وجوه القراءات
قرأ الجمهور: (ومن تطوع) بالتاء وفتح العين على أنه ماض من التطوع، وقرأ حمزة والكسائي (ومن يطوع) بالياء مجزوم على أنه فعل مضارع إلا أن التاء أدغمت في الطاء لتقاربهما.
وجوه الإعراب
1 - قوله تعالى: ﴿ إن الصفا والمروة من شعآئر الله ﴾.
قال العكبري: في الكلام حذف مضاف تقديره: إن سعي الصفا، وألف الصفا مبدلة عن (واو) لقولهم في تثنيته صفوان و(من شعائر الله) خبر إن.
2 - قوله تعالى: ﴿ ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم ﴾ من: اسم موصول بمعنى الذي مبتدأ، وجملة ﴿ فإن الله شاكر ﴾ خبر المبتدأ، وأجاز بعضهم أن تكون (من) شرطية والله أعلم.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: قال الإمام الفخر: " اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها، هو أن الله تعالى بين أنه إنما حول القبلة إلى الكعبة، ليتم إنعامه على محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، بإحياء شرائع إبراهيم ودينه، وكان السعي بين الصفا والمروة من شعائر إبراهيم كما في قصة بناء الكعبة، وسعي هاجر بين الجبلين، فلما كان الأمر كذلك ذكر الله تعالى هذا الحكم عقيب تلك الآية ".
اللطيفة الثانية: السعي بين الصفا والمروة إما فرض أو واجب، أو مسنون، فكيف نفى الله تعالى الجناح (الإثم) عمن سعى بينهما؟
والجواب: إنه كان على الصفا صنم يقال له: (إساف) وعلى المروة صنم يقال له: (نائلة) كما قال ابن عباس وكان المشركون إذا طافوا تمسحوا بهما، فخشي المسلمون أن يتشبهوا بأهل الجاهلية، وتحرجوا من الطواف لهذا السبب، فنزلت الآية تدفع الحرج عنهم، لأنهم إنما يسعون لله لا للأصنام.
اللطيفة الثالثة: الشكر معناه مقابلة النعمة والإحسان، بالثناء والعرفان، وهذا المعنى محال على الله، إذ ليس لأحد عنده يد ونعمة حتى يشكره عليها، فقوله تعالى: ﴿ فإن الله شاكر عليم ﴾ محمول على الثواب والجزاء أي أنه تعالى يثيبه ولا يضيع أجر العاملين.
قال العلامة أبو السعود: " المعنى أنه تعالى مجاز له على الطاعة، عبر عن ذلك بالشكر مبالغة في الإحسان على العباد " فبهذا المعنى سميت مقابلة العامل بالجزاء الذي يستحقه شكرا، وسمى الله تعالى نفسه شاكرا، على سبيل المجاز.
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: هل السعي بين الصفا والمروة فرض أو تطوع؟
اختلف الفقهاء في حكم السعي بين الصفا والمروة على ثلاثة أقوال:
1 - القول الأول: أنه ركن من أركان الحج، من تركه يبطل حجه وهو مذهب (الشافعية والمالكية) وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهو مروي عن ابن عمر، وجابر، وعائشة من الصحابة.
2- القول الثاني: أنه واجب وليس بركن، وإذا تركه وجب عليه دم، وهو مذهب (أبي حنيفة والثوري).