تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ج - وقال: إن الآية السابقة لا تدل على وقوع النسخ بل على أنه لو وقع النسخ لوقع إلى خير منه.

والجواب عن الأول: أن المراد أن هذا الكتاب لا يدخل إليه التحريف والتبديل، ولا يكون فيه تناقض أو اختلاف

ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا

[النساء: 82].

وأما الثاني والثالث: فإنه تأويل ضعيف لا تقوم به حجة، ويناقض الواقع فقد نسخت كثيرا من الأحكام الشرعية بالفعل كنسخ القبلة، ونسخ عدة المتوفى عنها زوجها إلى آخر ما هنالك مما سنبينه إن شاء الله من التفضيل.

أدلة الجمهور:

واستدل الجمهور على وقوع النسخ بحجج كثيرة نوجزها فيما يلي:

الحجة الأولى: قوله تعالى: ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها... ﴾ فهذه الآية صريحة في وقوع النسخ.

الحجة الثانية: قوله تعالى:

وإذا بدلنآ آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنمآ أنت مفتر...

[النحل: 101] قالوا: إن هذه الآية واضحة كل الوضوح في تبديل الآيات والأحكام، والتبديل يشتمل على رفع وإثبات، والمرفوع إما التلاوة، وإما الحكم، وكيفما كان فإنه رفع ونسخ.

الحجة الثالثة: قوله تعالى:

سيقول السفهآء من الناس ما ولهم عن قبلتهم التي كانوا عليها...

[البقرة: 142] ثم قال تعالى:

قد نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام

[البقرة: 144] فقد كان المسلمون يتوجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس، ثم نسخ ذلك وأمروا بالتوجه إلى المسجد الحرام.

الحجة الرابعة: أن الله تعالى أمر المتوفى عنها زوجها بالاعتداد حولا كاملا في قوله جل ذكره

والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول...

[البقرة: 240] ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر كما قال تعالى:

والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا

[البقرة: 234].

الحجة الخامسة: أنه تعالى أمر بثبات الواحد للعشرة في قوله تعالى:

إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين

[الأنفال: 65] ثم نسخ ذلك بقوله تعالى:

الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين

[الأنفال: 66] فهذه الآيات وأمثالها في القرآن كثير تدل على وقوع النسخ فلا مجال للإنكار بحال من الأحوال، ولهذا أجمع العلماء على القول بالنسخ، حتى روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال لرجل: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت الناس.

قال العلامة القرطبي: (معرفة هذا الباب أكيدة، وفائدته عظيمة، لا تستغني عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء، لما يترتب عليه في النوازل من الأحكام، ومعرفة الحلال من الحرام، وقد أنكرت طوائف من المنتمين للإسلام المتأخرين جوازه، وهم محجوجون بإجماع السلف السابق على وقوعه في الشريعة).

ثم قال: " لا خلاف بين العقلاء أن شرائع الأنبياء، قصد بها مصالح الخلق الدينية والدنيوية، وإنما كان يلزم البداء لو لم يكن عالما بمآل الأمور، وأما العالم بذلك فإنما تتبدل خطاباته بحسب تبدل المصالح، كالطبيب المراعي أحوال العليل، فراعى ذلك في خليقته بمشيئته وإرادته، لا إله إلا هو، فخطابه يتبدل، وعلمه وإرادته لا تتغير، فإن ذلك محال في جهة الله تعالى ".

الحكم الثاني: ما هي أقسام النسخ في القرآن الكريم؟

ينقسم النسخ إلى ثلاثة أقسام:

الأول: نسخ التلاوة والحكم معا.

الثاني: نسخ التلاوة مع بقاء الحكم.

الثالث: نسخ الحكم وبقاء التلاوة.

أما الأول: وهو (نسخ التلاوة والحكم) فلا تجوز قراءته، ولا العمل به، لأنه قد نسخ بالكلية فهو كآية التحريم بعشر رضعات.. روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان فيما نزل من القرآن " عشر رضعات معلومات يحرمن " فنسخن بخمس رضعات معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي مما يقرأ من القرآن).

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٢٨