تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾؟ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته بدليل قوله تعالى: ﴿ وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ﴾ أو المراد هو وأمته وإنما أفرد عليه السلام لكونه إمامهم، وقدوتهم، كقوله تعالى:

يأيها النبي إذا طلقتم النسآء فطلقوهن لعدتهن

[الطلاق: 1] فتخاطب الأمة في شخص نبيها الكريم باعتباره الإمام والقائد. ووضع الاسم الجليل موضع الضمير (أن الله) و(من دون الله) لتربية الروعة والمهابة في نفوس المؤمنين، والإشعار بأن شمول القدرة من مظاهر الألوهية والعظمة الربانية، وكذا الحال في قوله جل وعلا ﴿ ألم تعلم أن الله له ملك السموت والأرض ﴾.

قال العلامة أبو السعود: والمعنى: ألم تعلم أن الله له السلطان القاهر، والاستيلاء الباهر، المستلزمان للقدرة التامة على التصرف الكلي فيهما إيجادا وإعداما، وأمرا ونهيا، حسبما تقتضيه مشيئته، لا معارض لأمره، ولا معقب لحكمه.

اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ﴾ معنى ﴿ دون الله ﴾ أي سوى الله كما قال أمية بن أبي الصلت:

يا نفس مالك دون الله من واق

وما على حدثان الدهر من باق

قال في " الفتوحات الإلهية ": " وقوله: ﴿ من ولي ولا نصير ﴾ أتى بصيغة فعيل في ﴿ ولي ﴾ و ﴿ نصير ﴾ لأنها أبلغ من فاعل والفرق بين الولي والنصير، أن الولي قد يضعف عن النصرة، والنصير قد يكون أجنبيا عن المنصور، فبينهما عموم وخصوص من وجه ".

اللطيفة السادسة: قوله تعالى: ﴿ فقد ضل سوآء السبيل ﴾ السواء: هو الوسط من كل شيء، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الطريق المستوي يعني المعتدل، ومعنى (ضل) أي أخطأ، وفي هذا التعبير نهاية التبكيت والتشنيع لمن ظهر له الحق فعدل عنه إلى الباطل، وأنه كمن كان على وضح الطريق فتاه فيه.

الأحكام الشرعية

الحكم الأول: هل النسخ جائز في الشرائع السماوية؟

قال الإمام الفخر: النسخ عندنا جائز عقلا، واقع سمعا، خلافا لليهود، فإن منهم من أنكره عقلا ومنهم من جوزه عقلا، لكن منع منه سمعا، ويروى عن بعض المسلمين إنكار النسخ.

واحتج الجمهور: من المسلمين على جواز النسخ ووقوعه، أن الدلائل دلت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته لا تصح إلا مع القول بنسخ شرع من قبله، فوجب القطع بالنسخ.

وأما الوقوع فقد حصل النسخ في الشرائع السابقة، وفي نفس شريعة اليهود، فإنه جاء في التوراة أن آدم عليه السلام أمر بتزويج بناته من بنيه، وقد حرم ذلك باتفاق.

قال الجصاص في تفسيره " أحكام القرآن ": (زعم بعض المتأخرين من غير أهل الفقة، أنه لا نسخ في شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن جميع ما ذكر فيها من النسخ فإنما المراد به نسخ شرائع الأنبياء المتقدمين، كالسبت، والصلاة إلى المشرق والمغرب، قال لأن نبينا عليه السلام آخر الأنبياء، وشريعته باقية البتة إلى أن تقوم الساعة، وقد بعد هذا القائل من التوفيق بإظهار هذه المقالة، إذ لم يسبقه إليها أحد، بل قد عقلت الأمة سلفها وخلفها من دين الله وشريعته نسخ كثير من شرائعه، ونقل ذلك إلينا نقلا لا يرتابون به، ولا يجيزون فيه التأويل، وقد ارتكب هذا الرجل في الآي المنسوخة والناسخة وفي أحكامها أمورا خرج بها عن أقاويل الأمة، مع تعسف المعاني واستكراهها، وأكثر ظني فيه أنه إنما أتي به من قلة علمه بنقل الناقلين لذلك، واستعمال رأيه من غير معرفة منه بما قد قال السلف فيه، ونقلته الأمة...).

دليل أبي مسلم:

أ - احتج أبو مسلم بأن الله تعالى وصف كتابه العزيز بأنه

لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه

[فصلت: 42] فلو جاز النسخ لكان قد أتاه الباطل.

ب - كما تأول الآية الكريمة ﴿ ما ننسخ من آية ﴾ على أن المراد بها نسخ الشرائع التي في الكتب القديمة من التوراة والإنجيل، أو المراد بالنسخ النقل من اللوح المحفوظ وتحويله إلى سائر الكتب.

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٢٧