تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا قيمه لآراء الرجال ما لم يكن لها أصل تستند إليه من هذا المرجع الأخير .

وتترتب على هذه الحقيقه مقتضياتها المباشره:

(فاحكم بينهم بما أنزل الله , ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق) . .

والأمر موجه ابتداء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان فيه من أمر أهل الكتاب الذين يبحثون إليه متحاكمين . ولكنه ليس خاصاً بهذا السبب , بل هو عام . . وإلى آخر الزمان . . طالما أنه ليس هناك رسول جديد , ولا رساله جديده , لتعديل شيء ما في هذا المرجع الأخير !

لقد كمل هذا الدين , وتمت به نعمة الله على المسلمين . ورضيه الله لهم منهج حياه للناس أجمعين . ولم يعد هنالك من سبيل لتعديل شيء فيه أو تبديله , ولا لترك شيء من حكمه إلى حكم آخر , ولا شيء من شريعته إلى شريعة أخرى . وقد علم الله حين رضيه للناس , أنه يسع الناس جميعاً . وعلم الله حين رضيه مرجعاً أخيراً أنه يحقق الخير للناس جميعاً . وأنه يسع حياة الناس جميعاً , الى يوم الدين . وأي تعديل في هذا المنهج - ودعك من العدول عنه - هو إنكار لهذا المعلوم من الدين بالضروره . يخرج صاحبه من هذا الدين . ولو قال باللسان ألف مره:إنه من المسلمين !

وقد علم الله أن معاذير كثيره يمكن أن تقوم وأن يبرر بها العدول عن شيء مما أنزل الله واتباع أهواء المحكومين المتحاكمين . . وأن هواجس قد تتسرب في ضرورة الحكم بما أنزل الله كله بلا عدول عن شيء فيه , في بعض الملابسات والظروف . فحذر الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات مرتين من اتباع أهواء المتحاكمين , ومن فتنتهم له عن بعض ما أنزل الله إليه . .

وأولى هذه الهواجس:الرغبة البشرية الخفية في تأليف القلوب بين الطوائف المتعددة , والاتجاهات والعقائد المتجمعة في بلد واحد . ومسايرة بعض رغباتهم عند ما تصطدم ببعض أحكام الشريعة , والميل إلى التساهل في الأمور الطفيفة , أو التي يبدو أنها ليست من أساسيات الشريعة !

وقد روى أن اليهود عرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤمنوا له إذا تصالح معهم على التسامح في أحكام بعينها منها حكم الرجم . وأن هذا التحذير قد نزل بخصوص هذا العرض . . ولكن الأمر - كما هو ظاهر - أعم من حالة بعينها وعرض بعينه . فهو أمر يعرض في مناسبات شتى , ويتعرض له أصحاب هذه الشريعة في كل حين . . وقد شاء الله - سبحانه - أن يحسم في هذا الأمر , وأن يقطع الطريق على الرغبة البشرية الخفية في التساهل مراعة للاعتبارات والظروف , وتأليفا للقلوب حين تختلف الرغبات والأهواء . فقال لنبيه:إن الله لو شاء لجعل الناس أمة واحدة ; ولكنه جعل لكل منهم طريقا ومنهاجا ; وجعلهم مبتلين مختبرين فيما آتاهم من الدين والشريعة , وما آتاهم في الحياة كلها من عطايا . وأن كلا منهم يسلك طريقه ; ثم يرجعون كلهم إلى الله , فينبئهم بالحقيقة , ويحاسبهم على ما اتخذوا من منهج وطريق . . وأنه إذن لا يجوز أن يفكر في التساهل في شيء من الشريعة لتجميع المختلفين في المشارب والمناهج . . فهم لا يتجمعون: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا , ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة . ولكن ليبلوكم فيما آتاكم . فاستبقوا الخيرات . إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) .

بذلك أغلق الله - سبحانه - مداخل الشيطان كلها ; وبخاصة ما يبدو منها خيرا وتأليفا للقلوب وتجميعا للصفوف ; بالتساهل في شيء من شريعة الله ; في مقابل إرضاء الجميع ! أو في مقابل ما يسمونه وحدة الصفوف !

إن شريعة الله أبقى وأغلى من أن يضحى بجزء منها في مقابل شيء قدر الله ألا يكون ! فالناس قد خلقوا ولكل منهم استعداد , ولكل منهم مشرب , ولكل منهم منهج , ولكل منهم طريق . ولحكمة من حكم الله خلقوا هكذا مختلفين . وقد عرض الله عليهم الهدى ; وتركهم يستبقون . وجعل هذا ابتلاء لهم يقوم عليه جزاؤهم يوم يرجعون إليه , وهم إليه راجعون ;

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ · الصفحة ٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ص ٨٨