فيجيب مستفسراً:
«ما أنا بقارئ » ويتكرر الطلب والرد ، لتنساب بعده آيات الذكر الحكيم:
﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ﴾(آية 1-5 سورة العلق) وتتوالى الآيات القرآنية نوراً يضئ معالم الحياة! ﴿كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد﴾ (آية سورة إبراهيم) لتخرج هذه البشرية من الظلمات.. ظلمات الوهم والخرافة .. وظلمات الأوضاع والتقاليد .. وظلمات الحيرة في تيه الأرباب المتفرقة ، وفي اضطراب التصورات والقيم والموازين! لتخرج هذه البشرية من الظلمات كلها إلى النور.. النور الذي يكشف هذه الظلمات ..يكشفها في عالم الضمير ، وفي دنيا التفكير ، ثم يكشفها في واقع الحياة والقيم والأوضاع والتقاليد! والإيمان بالله نور يشرق في القلب ، فيشرق به الكيان البشري ، المركب من الطينة الغليظة ومن نفخة من روح الله ، فإذا ما خلا من إشراق هذه النفخة ، وإذا ما طمست فيه هذه الإشراقة ، استحال طينة معتمة ، طينة من لحم ودم كالبهيمة ، فاللحم والدم وحدهما من جنس طينة الأرض ومادتها! لو لا تلك الإشراقة التي تنتفض فيه من روح الله ، يرقرقها الايمان ويجلوه ، ويطلقها تشف في هذا الكيان المعتم ، ويشف بها هذا الكيان المعتم! والإيمان بالله نور تشرق به النفس ، فترى الطريق... ترى الطريق واضحة إلى الله ، لا يشوبها غبش ، ولا يحجبها ضباب.. غبش الأوهام وضباب الخرافات ..غبش الشهوات ، وضباب الأطماع ، ومتى رأت الطريق سارت على هدى ، لا تتعثر ولا تضطرب ، ولا تتردد ولا تحتار! والإيمان بالله نور تشرق به الحياة ... فإذا الناس كلهم عباد متساوون..تربط بينهم آصرتهم في الله ، وتتمخض دينونتهم له دون سواه ، فلا ينقسمون إلى عبيد وطغاة ..وتربطهم بالكون كله رابطة المعرفة .. معرفة الناموس المسير لهذا الكون وما فيه ومن فيه ، فإذا هم سلام مع الكون وما فيه ومن فيه! والإيمان بالله نور.. نور العدل .. ونور الحرية ...ونور المعرفة ونور الأنس والإطمئنان إلى الرحمة المهداة ، والنعمة المسداة ، في السراء والضراء..ذلك الإطمئنان الذي يستتبع الصبر في الضراء والشكر في السراء على نور من إدراك الحكمة في البلاء! والإيمان بالله وحده إلها وربا.. منهج الحياة ..وليس مجرد عقيدة تغمر الضمير وتسكب فيه النور.. منهج حياة يقوم على قاعدة العبودية لله وحده والدينونة لربوبيته وحده ، والتخلص من ربوبيات العبيد ، والاستعلاء على حاكمية العبيد! وفي هذا المنهج من المواءمة مع الفطرة البشرية ، ومع الحاجات الحقيقية لهذا الفطرة ، ما يملأ الحياة سعادة ونوراً وطمأنينة وراحة ، كما أن فيه من الاستقرار والثبات عاصماً من التقلبات والتخبطات التي تتعرض لها المجتمعات التي تخضع لربوبية العبيد ، وحاكمية العبيد ومناهج العبيدفي شؤون الحياة..وذلك فوق صيانة هذا المنهج للطاقة البشرية أن تبذل في تألية العبيد ، والطبل والزمر للطواغيت! وإن وراء هذا التعبير لآفاقاً بعيدة لحقائق ضخمة عميقة في عالم العقل والقلب ، وفي عالم الحياة والواقع ، لا يبلغها التعبير البشري ، ولكنه يشير! ﴿كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد﴾ فالصراط بدل من النور ، وصراط الله: طريقة وسنته ، وناموسه الذي يحكم الوجود ، وشريعته التي تحكم الحياة.. والنور يهدي إلى هذا الصراط ، أو النور الذي هو الصراط ، وهو أقوى في المعنى فالنور المشرق في ذات النفس هو المشرق في ذات الكون ، هوالسنة ، هو الناموس ، هو الشريعةوالنفس التي تعيش في هذا النور لا تخطئ الإدراك ، ولا تخطئ التصور ، ولا تخطئ السلوك ، فهي على صراط مستقيم. وتطالعنا سورة النور ، ونقرأ فيها: