لا ريب أن معرفة القواعد والأصول والضوابط الكلية الجامعة يعد من أعظم العلوم وأجلها نفعا وأكثرها فائدة، ذلك أن "الأصول والقواعد للعلوم بمنزلة الأساس للبنيان والأصول للأشجار لا ثبات لها إلا بها، والأصول تبنى عليها الفروع، والفروع تثبت وتتقوى بالأصول، وبالقواعد والأصول يثبت العلم ويقوى وينمي نماء مطردا، وبها تعرف مآخذ الأصول، وبها يحصل الفرقان بين المسائل التي تشتبه كثيرا، كما أنها تجمع النظائر والأشباه التي من جمال العلم جمعها" إلى غير ذلك من الفوائد العظيمة والمنافع الجليلة التي لا تحصى.
بل إن "من محاسن الشريعة وكمالها وجمالها وجلالها: أن أحكامها الأصولية والفروعية والعبادات والمعاملات وأمورها كلها لها أصول وقواعد تضبط أحكامها وتجمع متفرقها وتنشر فروعها وتردها إلى أصولها".
والقاعدة: هي أمر كلي ينطبق على جزئيات كثيرة تفهم أحكامها منها.
فإذا ضبطت القاعدة وفهم الأصل أمكن الإلمام بكثير من المسائل التي هي بمثابة الفرع لهذه القاعدة، وأمن الخلط بين المسائل التي قد تشتبه، وكان فيها تسهيل لفهم العلم وحفظه وضبطه، وبها يكون الكلام مبنيا على علم متين وعدل وإنصاف.
ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية ترد إليها الجزئيات؛ ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات فيتولد فساد عظيم".
لأجل هذا عني أهل العلم كثيرا بوضع القواعد وجمعها في الفنون المختلفة، فلا تكاد تجد فنا من الفنون إلا وله قواعد كثيرة وضوابط عديدة تجمع متفرقه، وتزيل مشتبهه، وتنير معالمه، وتيسر فهمه وحفظه وضبطه، "ويحصل بها من النفع والفائدة على اختصارها ما لا يحصل في الكلام الطويل".