فقد دفع رسول الله ﷺ على ناقته من المزدلفة حتى أتى منى، فكان أول شيء فعله أن دخل بطن الوادي الذي به جمرة العقبة، وهو راكب ناقته، وبلال وأسامة -رضي الله عنهما- معه، أحدهما يمسك بزمام الناقة يقودها، والآخر رافع ثوبًا على رأس رسول الله ﷺ، يظلله من الشمس، حتى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات، يكبر عند كل حصاة، ثم وقف قريبًا من الجمرة يسأله الناس، ويجيبهم، ويعظهم، وكان فيما قال لهم: خذوا عني مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، واسمعوا لأمرائكم وأطيعوا، وإن أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة، مادام يقودكم بكتاب الله. ثم أتى منزله ﷺ بمنى، ثم نحر رسول الله ﷺ نسكه، ثم دعا الحلاق، فجلس وحلق، حلق شق رأسه الأيمن، ووزع شعره على من يليه من أصحابه، الشعرة والشعرتين، وحلق الشق الأيسر، فدعا أبا طلحة، وطلب منه أن يوزع شعره بين الناس. وحلق بعض أصحابه ﷺ، وقصر بعضهم ورغب ﷺ في الحلق، فقال رحم الله المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: رحم الله المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: رحم الله المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين.
ولم يراع بعض الصحابة ترتيبه ﷺ للأمور الأربعة، معتقدين أن الترتيب غير لازم، لكنهم لما علموا ترتيبه ﷺ خافوا على صحة مناسكهم فسألوا رسول الله ﷺ: يقول أحدهم: يا رسول الله، لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر؟ فقال له: اذبح ولا حرج عليك، ويقول آخر: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ فقال له: ارم، ولا حرج عليك، ويقول ثالث: حلقت قبل أن أرمي؟ فقال له: ارم ولا حرج، ويقول رابع: أفضت إلى البيت، وطفت، وسعيت قبل أن أرمي؟ فقال له: ارم ولا حرج.
فما سئل ﷺ عن شيء من هذه الأربع قدم أو أخر إلا قال: افعل ولا حرج.
ثم دخل ﷺ مكة ضحى فطاف بالبيت، ثم رجع إلى منزله بمنى فصلى الظهر بمنى.
وهكذا رسم رسول الله ﷺ مناسك يوم النحر، وأوضحها لأمته قولًا وعملًا أوضح بيان ﷺ.
-[المباحث العربية]-
(جمرة العقبة) وتسمى الجمرة الكبرى، وهي ليست من منى، بل هي حد منى من جهة مكة، وهي أخر الجمرات الثلاث بالنسبة إلى المتوجه إلى مكة من منى وهي التي بايع النبي ﷺ الأنصار عندها على الهجرة، والجمرة اسم لمجتمع الحصى، سميت بذلك لاجتماع الناس بها، يقال: تجمر بنو فلان إذا اجتمعوا، وقيل: إن العرب تسمي الحصى الصغار جمارًا فسميت، من تسمية الشيء بلازمه.
(من بطن الوادي) أي وقف في بطن الوادي، واستقبل الجمرة، ورماها من أسفل إلى أعلى،