وفي السنة المذكورة ، ظهر بالديار المصرية من الفأر مامة الأقطار ، وكان الوقت قريب الحصاد ، فساح على البلاد ، واستهلك الزرع ، وأتى على
معظمه ومحقه ، وقد قيل إنه كان يستهلك من البلد الواحد الجملة الكبيرة من الفدادين ، فلا يغادر فيها سنبلة قائمة ، ورما سابق الفلاحين إلى استهلاك زرعهم ، حتى أن بعضهم كان يقصد معاجلتهم ويبيت ، وزرعه قائم وحرثه سالم ، على أنه يباكر إلى حصاده ، ويبادره قبل فساده ، فيمخقه الفار تلك الليلة ، فلا يغادر منه شيئا . وقصر متحصل الغلال في هذه السنة ، وأوجس الناس خيفة من ضرره ، وذعرا من سوء أثره ، فأباده الله تعالى ، وزال عند قرب زيادة النيل كأن لم يكن .
وفي هذه السنة ، أوهم منكوتمر مخدومه من الجماعة المجردين إلى سيس ، وأشار عليه بأن يسير من يقبض على بعضهم ، ومن يسقى بعضا ، هذا وهم بالقرب من وسط الفرات ، وتجاه العدو ، وقد عادوا من غارة وغزاة ، فوافقه على ذلك ، وظن أنه مناصحه ، أو تحته مصلحة ، ولم يتبين عواقبه . فلما شعر الأمراء بما تمر عليهم ، وأرسل إليهم ، اتفق الأمير سيف الدين قفجاق ، وفارس الدين البكي ، وسيف الدين بكتمر السلحدار ، وسيف الدين عزاز ، وعدوا الفرات ، وتوجهوا إلى قازان ملك التتار ، فقبلهم وأقبل عليهم ، ووصلهم وأحسن إليهم ، وزوج كل منهم بامرأة من التتار . فأما قفجاق فروجه بأخت زوجته ، وهي أخت إيل خان ، وهذا إنما تعمله التتار مع الأكابر والحانات أن يتخذوهم أصهارا ، ويزيدوهم بذلك تمييزا واعتبارا ، وأقاموا عنده إلى أن قصد البلاد الإسلامية ، وحضرا معه إلى البلاد الشامية .
وقتل الملك حسام الدين لاجين ليلة الجمعة الحادي عشر من ربيع الآخر سنة 698 ه ، وذلك أن بعض الأمراء اجتمعوا إلى طغجي وهم كرجي وطعيه السلحدار صهر طغجي ، ومن معهم ، وشكوا له إساءات منكوتر ، وسوء اعتاده وعمله على الأمراء واحدا بعد واحد ، فتشاوروا في قتله ، وقالوا : إن قتلناه تخشى من مخدومه لأن هذا عنده بمحل الولد ، وهو مملوكه وولي عهده . فألجأهم
ذلك إلى أن اتفقوا على قتل السلطان أولا ليتمكنوا من منكوتمر فيقتلوه ثانيا ، فدخل عليه كرجي المذكور ومن وافقه في الليلة المقدم ذكرها ، وهو يلعب الشطرنج مع شخص يسامره من المتعميين ، ويساهره كل وقت وحين ، فبينا هو قد توضأ لصلاة عشاء الآخرة ، إذا هم قد أخذوا نمجه من قدامه ، وعلوه بالسيوف ، وقطعوه قطعا ، وغادروه بضعة ، وتركوه وخرجوا من فورهم إلى منكوتر ، وهو بدار النيابة ، وقد أغلق أبوابه ، واستدعوه فنزل عندما شاهد اجتماعهم عليه ، ودخل إلى طغجي مستجيرا ، فإنه كان ساكنا بدار الملك بجواره ، فأجاره طغجي من القتل ، وأرسل إلى السجن . ولما توجهوا به إلى الجب ، وأدلوه فاستدرك كرجي فارطه وقال : نحن إنما قتلنا أستاذه لأجله ، وما كان له إلينا إساءة تقتضى قتله . ثم إنه بادر إليه ، وأطلعه من الجب ، وأتكاه عند باب الجب وذبحه من وراء قفاه . وتقرر إحضار السلطان الملك الناصر من الكرك ، وإعادته إلى السلطنة ، والأمير سيف الدين طغجي في نيابة السلطنة ، وأرسل سيف الدين الملك أحد المماليك السلطانية إلى الكرك إحضار السلطان منها كما تقرر .
وقتل طغجي المشار إليه في العشر الأوسط من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة سنة 698 ه ، وذلك أن الأمير بدر الدين أمير سلاح ومن معه من الأمراء الذين كانوا قد عادوا من بلاد سيس كانوا إذ جرت هذه الخطوب واصلين في الطريق ، وكان في نفس بعض الأمراء من تقدم طغجي عليهم ، وتطاوله إلى النيابة دونهم ، فقالوا له : إن العادة جارية بأنه إذا عاد أحد من الأمراء والعسكر المنصور من البلاد الشامية من غارة أو غزاة أو تجريد تخرج
نواب السلطنة للقائهم جبرا للقلوب ، وجريا على هذا الأسلوب . ولا حرجوا طغجي ومن معه إلى لقائهم ورأوه الأمراء المجردين ، فأشاروا بعضهم إلى بعض ، ووثبوا عليه وقتلوه مكانه . وأما كرجى لما بلغه ما فعل بطغجي هرب سائقا إلى جهة بركة الحبش وبساتين الوزير ، فساقوا خلفه ، وقتلوه عند مقابر النصاري واليهود . وجلس الأمراء يتحدثون في الدولة جميعا ، ويكتبون الكتب والمراسم إلى الولاة والتواب ، فتشملها علاماتهم ، والكلمة منتظمة ، والمصالح ملتئمة ، وهم على انتظار السلطان ، إلى أن حضر إلى القلعة .