فيها ، وأمرنا بتعظيم أمر الحاج ، وتجهيز وفدها وتأمين سبلها ، وتسيير قوافلها . وإنا أطلقنا سبيل التجار المترددين إلى تلك البلاد ، ليسافروا بحسب اختيارهم على أحسن قواعدهم ، وحرمنا على العساكر والقراغول والشحاني في الأطراف ، التعرض بهم في مصادرهم ومواردهم . وقد كان قراغوانا صادف جاسوسا في زى الفقراء كان سبيل مثله أن يهلك ، فلم يهرق دمه لخرمة ما حرمه الله تعالى ، وأعدناه إليهم ؛ ولا يخفى عليهم ما كان في إنفاذ الجواسيس من الضرر العام للمسلمين ، فإن عساكرنا طالما رأوهم في زى الفقراء والاك وأهل الصلاح ، فساءت ظنونهم في تلك الطوائف ، فقتلوا منهم من قتلوا ، وفعلوا بهم ما فعلوا ، وارتفعت الحاجة بحمد الله إلى ذلك بما صدر إذننا به من فتح الطريق ، وتردد التجار وغيرهم ، فإذا أمعنوا الفكر في هذه الأمور وأمثالها لا يخفى عنهم أنها أخلاق جبلية طبيعية ، وعن شوائب التكلف والتصنع عربية . وإذا كانت الحال على ذلك ، فقد ارتفعت دواعي المضرة التي كانت موجبة المخالفة ، فإنها إن كانت بطريق الدين والذب عن حوزة المسلمين ، فقد ظهر بفضل الله تعالى في دولتنا النور المبين ، وإن كانت لما سبق من الأسباب ، فمن تحري الآن طريق الصواب ، فإن له عندنا الولفي رسن المآب ، وقد رفعنا الحجاب ، وأتينا بفصل الخطاب ، وعرفناهم ما عزمنا عليه بنية خالصة لله تعالى على استئنافها ، وكمنا على جميع عساكرنا العمل بخلافها لنرضى بها الله والرسول ، وتلوح على صفحاتها آثار الإقبال والقبول ، وتستريح من اختلاف الكلمة هذه الأمة ، وينجلى بنور الائتلاف ظلمة الاختلاف والتميمة ، وتسكن في سابغ ظلها البوادي والحواضر ، وتقر القلوب التي بلغت من الجهد الحناجر ، ويعفي عن سائر الهنات والجرائر . فإن وفق الله سلطان مصر لاختيار ما فيه
صلاح العالم وانتظام أمور بني آدم ، فقد وجب عليه التمسك بالعروة الوثقي ، وسلوك الطريقة المثلى بفتح أبواب الطاعة والاتحاد ، وبذل الإخلاص بحيث تنعمر تلك الممالك والبلاد ، وتسكن الفتنة الثائرة ، وتغمد السيوف الباترة ، وتحل العامة أرض الهويني وروض المدون ، وتخلص رقاب المسلمين من أغلال الذل والهون ؛ وإن غلب سوء الظن بما تفضل به واهب الرحمة ، ومنع معرفة قدر هذه النعمة ، فقد شكر الله مساعينا ، وأبلى محذرنا ، و وما كنا مع بين حتى تبعث ولا ه ؛ والله الموفق للرشاد والسداد ، وهو المهيمن على البلاد والعباد ، وحسبنا الله وحده .
كتب في أوسط جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وستمائة بمقام الإطاق .