لا يتزحح ، وتشاوروا ثم ولوا عنه ، ولم يلموا به ، ولا دنوا منه . وكان هذا من العناية الإلهية ، وإلا لو تقدموا إليه ، ووثبوا عليه ، والعساكر عنه قد تفرقت ، الكانوا أثروا أثرا ، وقضوا من التمكن وطرا ، وإنما أعمى الله أبصارهم ، وقدر للمسلمين انتصارهم . والسبب الذي اقتضى رجوعهم أنهم لما وصلوا خلف العسكر الذي هزموه إلى شد حمص ، [ نزلوا عن خيلهم في المرج الذي عند سد حمص منتظرين قدوم رفقتهم معتقدين ربح صفقتهم ، ولم يعلموا أنهم قد انكسروا ، وولوا وأدبروا . فلما طال بهم الانتظار ، أرسلوا من يكشف لهم الأخبار ، فعاد الكشافة إليهم وأخبروهم بما تم عليهم ، فركبوا خيولهم ، وقد فقدوا عقولهم ، وعادوا راجعين ، وبأصحابهم لاحقين ] .
ذكر نسخة الكتاب الواصل من جهة إيلخان أحمد تكدار ملك المغول بفارس إلى السلطان الملك المنصور قلاوون سنة 681 ه ، خبرا بانتقاله إلى ملة الإسلام ، هو ومن معه من التتار
[ بسم الله الرحمن الرحيم ، بقوة الله تعالى ، بإقبال قاآن ، فرمان أحمد إلى سلطان مصر : أما بعد ، فإن الله سبحانه وتعالى ، بسابق عنايته ونور هدايته ، قد كان أرشدنا في عنفوان الصبا وريعان الحداثة ، إلى الإقرار بربوبيته ، والاعتراف بوحدانيته ، والشهادة بمحمد عليه أفضل الصلوات والسلام بصدق نبوته ، وحسن الاعتقاد في أوليائه الصالحين من عباده في بريته ، ومن يرد الله
أن يهديه يشرح صدره للإسلام . فلم نزل نميل إلى إعلاء كلمة الدين ، وإصلاح أمور [ الإسلام] والمسلمين ، إلى أن أفضت بعد أبينا الجيد وأخينا الكبير نوبة الملك إلينا ، فأفاض علينا من جلابيب ألطافه ولطائفه ما حقق به آمالنا في جزيل آلائه وعوارفه ، وجلا هدى المملكة على يدينا ، وأهدي عقيلتها إلينا . فاجتمع عندنا في قوريلتاي المبارك - وهو المجمع الذي تنقدح فيه الآراء - جميع الإخوان والأولاد ، والأمراء الكبار ومقدمي العساكر وزعماء البلاد . واتفقت كلمتهم على تنفيذ ما سبق به حكم أخينا الكبير في إنقاذ الجم الغفير من عساكرنا التي ضاقت الأرض بحبها من كثرتها ، وامتلأت الأرض عبا لعظيم صولتها ، وشديد بطشتها إلى تلك الجهة ؛ بهمة تخضع لهاشم الأطواد ، وعزمة تلين لها صم الصيلاد . ففكرنا فيما تمخضت بدة عزائمهم عنه ، واجتمعت أهواؤهم وآراؤهم عليه ، فوجدناه مخالفا لما كان في ضميرنا من اقتناء الخير العام ، الذي هو عبارة عن تقوية شعار الإسلام ، وألا يصدر عن أوامرنا ما أمكننا إلا ما يوجب حقن الدماء وتسكين الدهماء ، وتجرى به في الأقطار راء نسائم الأمن والأمان ، وتستريح به المسلمون في سائر الأمصار في مهاد الشفقة والإحسان ، تعظيما لأمر الله ، وشفقة على خلق الله .
فألهمنا الله تعالى إطفاء تلك النائرة ، وتسكين الفتن الثائرة ، وإعلام من أشار بذلك الرأي بما أرشدنا ع الله إليه من تقديم ما يرجي به شفاء مزاج العالم من الأدواء ، وتأخير ما يجب أن يكون آخر الدواء . وإننا لا نحب المسارعة
إلى هز النصال للنضال إلا بعد إيضاح المحجة ، ولا تأذن لها إلا بعد تبيين الحق ، وتركيب الحجة . وقوي عزمنا [ على ] ما رأيناه من دواعي الصلاح ، وتنفيذ ما ظهر لنا به وجد النجاح ، إذكار شيخ الإسلام ، قدوة العارفين كمال الدين عبد الرحمن الذي هو نعم العون لنا في أمور الدين ، فأصدرناه رحمة من الله لمن دعاه ، ونقمة على من أعرض عنه وعصاه ، وأنفذنا أقضي القضاة ، قطب الملة والدين ، والأتابك بهاء الدين ، اللذين هما من ثقات هذه الدولة الزاهرة إيعرقاهم طريقتنا ، ويتحقق عندهم ما تنطوي عليه لعموم المسلمين جميل نيتنا ، وبينا لهم أنا من الله على بصيرة ، وأن الإسلام يجب ما قبله ، وإنه تعالى ألقى في قلوبنا أن نتبع الحق وأهله ، ويشاهدون عظيم نعمة الله على الكافة بما دعانا إليه من تقديم أسباب الإحسان ، ولا يحرموها بالنظر إلى سالف الأحوال ، فكل يوم هو في شأن ، فإن تطلعت نفوسهم إلى دليل ستحكم بسببه دواعي الاستاد ، وحجة يثقون بها من بلوغ المراد ، فلينظروا إلى ما ظهر من أثرنا مما اشتهر خبره ، وعم أثره . فإنا ابتدأنا بتوفيق الله تعالى بإعلاء أعلام الدين وإظهاره في إيراد كل أمر ، وإصداره تقديما وإقامة النواميس الشرع المحمدي على مقتضى قانون العدل الأحمدي إجلالا وتعظيما . وأدخلنا السرور على قلوب الجمهور ، وعفونا عن كل من اجترح سيئة أو اقترف ، وقابلناه بالصفح ، وقلنا : هر عفا الله عما سلف هو ؛ وتقدمنا بإصلاح أمور أوقاف المسلمين من المساجد والمشاهد والمدارس ، وعمارة بقاع البر والبط الدوارس ، وإيصال حاصلها بموجب عوائدها القديمة إلى مستحقها بشروط واقفها ، ومنعنا أن يلتمس شيء مما استحاث عليها ، وأن لا يغير أحد شيئا مما قرر أولا