تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما البخيل : فالبخيل يستعجل الفقر الذي هرب منه ، ويفوته الغنى الذي يطلبه ، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء ، ويحاسب يوم القيامة حساب الأغنياء ، فالبخيل هو الوحيد الذي يفرح أهله بموته ، ويستبشر ورثته بمرضه وفقده ، تجده مستغرقاً في جمع المال بالليل والنهار لا يتعب ولا يفتر ، ولا يكل ولا يمل خوفا من الفقر مع أن البخل هو الفقر بعينه ، ولقد حذر الله تعالى من عاقبة البخل السيئة فقال تعالى : " ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شرٌ لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة " [ آل عمران ] ، فتجد البخيل يبخل بالمال حتى على نفسه وذلك خوفاً من أن يقل المال أو يفنى ، والواقع شاهد على صدق ذلك ، فمعظم الناس إذا رأيته قد تمد يدك إلى جيبك كي تتصدق عليه ، وهو يملك أموالاً وعقاراً لا تملكه أنت ولا غيرك ، ولكن هيئته ولبسه ، يدل على أنه ما شكر نعمة الله عليه ، فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده " ، فأين أثر النعمة على العبد وهو يبخل حتى على نفسه ، إن الله جميل يحب الجمال ، وتجده أيضًا يبخل على أولاده ويقتر عليهم فلا يعطيهم ما يكفيهم وذلك حبًا في جمع المال . قال صلى الله عليه وسلم : " كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته " [ مسلم ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : " مامن يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً ويقول الأخر : اللهم أعط ممسكاً تلفاً " [ متفق عليه ] .

وقال صلى الله عليه وسلم : " دينار أنفقته في سبيل الله ، ودينار أنفقته في رقبة ( أي عتق رقبة ) ، ودينار تصدقت به على مسكين ، ودينار أنفقته على أهلك ، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك " [ مسلم ] .

فويل لمن عاش في هذه الدنيا مغروراً وظن أن السعادة كلها جمع الأموال وتكديسها عنده آلافاً وملايين وعمائر وأراضٍ وبيوت وعقارات ، فهذا هو الخاسر ، لقد أنسى الناس حُب المال عن الدين والشرف وجعلهم يتنافسون حطام هذه الدنيا . وما علم أصحاب الأموال أن المال إذا تجاوز خدمة الدين وابتعد عنه فسيكون وبالاً ونكبة على أصحابه ، يقول داود عليه السلام : " اللهم إني أعوذ بك من جار السوء ، ومن مال يكون علي عذاباً " ، ولما سئل عيسى عليه السلام عن المال قال : " لا خير فيه ، قيل : ولم يا نبي الله ، قال: لأنه يُجمع من غير حِل ، قيل : فإن جُمع من حِل ، قال : لا يُؤدي حقه ، قيل : فإن أدى حقه قال : لا يسلم صاحبه من الكبر والخُيلاء ، قيل : فإن سلِم ، قال : يُشغله عن ذكر الله ، قيل : فإن لم يُشغله ، قال : يُطيل عليه الحساب يوم القيامة " ، فتأملوا هذه العقبات الخمس وقليل من يتجاوزها سالماً ، وذلك لأن الأغنياء يُحاسبون على أموالهم من أين اكتسبوها وفيما أنفقوها ، فاستعدوا يا أصحاب الأموال ، استعدوا يا من بخلتم بأموالكم ، وأعدوا لكل سؤال جواباً ، ولا تنسوا أن يكون الجواب صواباً . قال تعالى : " يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم " [ الشعراء ] .

وليعلم أصحاب الأموال أن لله حقاً فيها ، فعليهم أن يقوموا بما أوجب الله عليهم فيها ، فطرق الخير كثيرة وعديدة لمن أراد ذلك ، ومنها بناء المساجد والمساهمة فيها ، ومساعدة الفقراء والمساكين والمحتاجين والأرامل واليتامى وما أكثرهم في ، فالله يعلم بحالهم ، هناك أسر لا تعرف من الطعام إلا الخبز اليابس المدهون بالماء ، وهناك أسر تلتحف السماء ، وبيوت إذا دخلتها كأنك في العصور الغابرة التي لا تعرف من التقدم والمدنية شيئاً وما ذاك إلا لقلة ذات اليد ، وهناك أطفال تشردوا ، ونساء ضعن ، بسبب الفاقة وكثرة الحاجة ، فالله المستعان وعليه التكلان ، سألوكم ممن مال الله الذي آتاكم ، طلبوا من إخوانهم العون ومد يد المساعدة ، ومنهم من بادر ثم انقطع ، ومنهم من أعرض ولم يستمع ، فشكواهم إلى الله ، : " وفي السماء رزقكم وما توعدون " ، قال صلى الله عليه وسلم : " من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مُثل له شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة يأخذ بلهزمتيه ( يعني شدقيه ) يقول أنا مالك أنا كنزك " [ البخاري ] .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٩٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٩٢٤