هذه خديجة وسابقتها في الإسلام ، وتلكم عائشة وأثرها في تعليم الأمة ، ولم تزل ثلة الصالحات المصلحات متواكبة جيلاً بعد آخر إلى يومنا هذا ، وإن نسينا فلن ننس تلك المرأة الدينة الحصيفة العاقلة ، تلك التي مرَّ قطار الدعوة الإصلاحية في هذه الجزيرة العربية من خلالها ، تلك المرأة التي كانت إحدى محطات تجديد الدين مارة عبر مشورتها المباركة ورأيها السديد ، إنها موضي بنت بن وطبان ـ رحمها الله ـ زوجة الإمام محمد بن سعود ـ رحمه الله ـ حين حضت زوجها الأمير محمد على تبجيل مجدد الدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب وإكرامه وإحسان استقباله ومساعدته لما قدم الدرعية ، بل وأشارت عليه بالتوجه إليه في مكان نزوله ليعلم الناس مكانته ، وقد أراد الله بالأمير الإمام محمد سعود الخير فاستجاب لذلك والتقى بالشيخ وقبل دعوته وتعاهدا على نصرة الدين الحنيف والجهاد في سبيل الله ، فما من خير ولا جهاد ولا دعوة ولا هدى ولا عملٍ صالح كان إثر هذا الاتفاق إلا ولتلك المرأة الصالحة موضي مثل أجور أهله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
وفي مجتمعاتنا اليوم من الصالحات المصلحات في البيوت ودور تحفيظ القرآن والمدارس والكليات وغيرها ما هو مفخرة الأمة واعتزازها ، فياحسرة على من ضلَّت عن هذا الهدى واستهانت بأمر نفسها واغترَّت بمسالك الانحراف ، ويا بشرى أخواتنا اللاتي آثرن الهدى على الضلال والعفاف والحشمة والحياء على ما يخالفها .
أيها المسلمون : ودَّعنا شهر رمضان ، غير أن الأعمال الصالحة لا تودع ولا تهجر ، فلله في دهركم خيرات وبركات وأعمالٌ صالحات ، فمن عمل طاعةً من الطاعات وفرغ منها ، فعلامة قبولها أن يصلها بطاعة أخرى ، وعلامة ردها أن يعقب تلك الطاعة بمعصية ، فما أحسن الحسنة بعد السيئة تمحوها ، وأحسن منها الحسنة بعد الحسنة تتلوها ، وما أقبح السيئة بعد الحسنة تمحقها وتعفوها ، وأنتم تستقبلون شهراً شرع لكم صيام ست منه ، ففي صحيح مسلم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر " .
وفي المسند عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من صام رمضان فشهر بعشرة أشهر ، وصيام ستة أيام بعد الفطر فذلك تمام صيام السنة " .
وهي سنة غير واجبة ، يصومها الشخص إن شاء متتابعةً أو متفرقة .
أيها المسلمون : من خير ما تبدأون به العيد صلة أرحامكم ، وخاصة الرحم القاطعة فوصلها أعظم وثوابها أجزل ، ولا تنسوا المساكين واليتامى والأرامل من إدخال السرور على أنفسهم فذلك عمل محبوب عند الله وثوابه جزيلٌ وعميم .
الله أكبر الله أكبر ، لا إله الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد .
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلامٌ على المرسلين والحمد لله رب العالمين .
------------------------------------------
[1] قال الحافظ البغوي : ويوم بُعاث يومٌ مشهور كان فيه مقتلةٌ عظيمةٌ للأوس على الخزرج ، وقد مكثت هذه الحرب مائة وعشرين سنة ، حتى جاء الإسلام ، وكان شعر الجاريتين في غنائهما فيه وصف الحرب والشجاعة ، وفي هذا معونة ٌ لأمر الدِّين ، فأما الغناء بذكر الفواحش وذكر الحُرَم والمجاهرة بمنكر القول فهو المحظور من الغناء ، وحاشاه أن يجري شيءٌ من ذلك بحضرته صلى الله عليه وسلم فيُغفل النكير له .
[2] "صحيح البخاري " ( 949 ) . " صحيح مسلم " ( 892 ) .
[3] إسناده عند أحمد ( 2/28 ) قال: حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا الأسود بن عامر أنا أبو بكر عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن بن عمر . وصححه ابن القطان .قال ابن حجر: صححه بن القطان بعد أن أخرجه من الزهد لأحمد كأنه لم يقف على المسند وعندي أن إسناد الحديث الذي صححه بن القطان معلول لأنه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحاً لأن الأعمش مدلس ولم ينكر سماعه من عطاء، وعطاء يحتمل أن يكون هو عطاء الخراساني فيكون فيه تدليس التسوية بإسقاط نافع بين عطاء وابن عمر فرجع الحديث إلى الإسناد الأول وهو المشهور . ينظر " تلخيص الحبير " (3/19).