تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي عدد من المجتمعات الإسلامية يشاهد اليوم ما حلَّ بكثيرٍ من الناس من التساهل بتوجيه أهليهم ، من جهة الحرص على العفاف والحشمة والحجاب والحياء ، ولم يزل التساهل يتوالى حتى بلغ الحال ببعض النساء أن رفضن الحجاب وأحللن مكانه التبرج والسفور وقلَّةَ الحياء عن علم واطلاع من أوليائهن من الآباء والإخوان والأزواج ، ثم تبع ذلك تعاطي الفواحش ومقدماتها بتقنينٍ رسميٍ في تلك البلاد الإسلامية وللأسف الشديد .

** ولو أردنا أن نتوقف عند أبرز الأسباب التي أدت إلى تلكم التداعيات الأخلاقية الاجتماعية المؤسفة فسنجد في جملة ذلك :

ما انتقل إلى المجتمعات الإسلامية من الأخلاق الرذيلة والتصورات البائدة التي تدعو إلى التحرر من كل ما يضبط التعاملات الحياتية بضوابط الأدب والحياء ومن كل ما يمنع النفوس من مشتهياتها المحرمة ، وصاحبَ ذلك رقةٌ في الدين وضعفٌ أو موتٌ للغيرة على المحارم .

ولا ريب أن الغيرة إذا ترحَّلت من القلب ترحَّل منه الدين ، لأن الغيرة هي الحامل على رعاية العرض والحفاظ عليه والمنافحة عنه .

ولما كان زوال الغيرة مؤذناً بتساهل المرء في تعاطي أهله ومحارمه للفواحش فإن من تكامل منه ذلك صار مستحقاً لما جاء من الوعيد في الحديث الصحيح من أن الجنة لا يدخلها ديُّوث: كما قال صلى الله عليه وسلم : " ثلاثةٌ لا يدخلون الجنة " وذكر منهم الدَّيُّوث.

ومن كان ذا غيرة على أهله ومحارمه اقتضى ذلك منه مباعدتهم عن كل ما يخدش الحياء ويخل بالعفاف ، وهذه صفَّةُ عزٍّ وجلالةٍ وقَدْرٍ كبير ؛ إنما يحوزها النبلاء والفضلاء من الناس ، ولهذا كان سيد الناس ومقدَّمَهم فيها سيد الخلق محمدٌ صلى الله عليه وسلم .

وغيرة الرجل على أهله التي يؤمر بها هي : منعه لَهُنَّ عن التعلق بأجنبي بنظر أو حديث أو غيره ، مما يسبب لهن تعاطي الأخلاق الرذيلة والتعاملات الصفيقة " الديباج شرح صحيح مسلم بن الحجاج " ( 4/125 ) للسيوطي.

والغيرة صفة كمال طالما تمدَّح بها الكرام منذ القدم ، وجاءت الشريعة المحمدية فوضعتها في مكانها المناسب بلا إفراط ولا تفريط ، ففي "المسند" و" السنن " إلا " الترمذي " عن جابر بن عتيك الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنَّ من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يبغض الله … ، فأما الغيرة التي يحب الله : فالغيرة في رِيبة ، وأما التي يبغض الله فالغيرة في غير الرِّيبة … "[5] .

وقد كان من تمدُّح العرب باتصاف نبلائهم بالغيرة على المحارم ما جاء عنهم من استحبابهم عفاف النساء وحياءَهن وتسترهن وحفظهن لأزواجهن ووفاءَهنَّ لهم ، وقد أشادت بذلك منابر الإعلام ومناراته في زمانهم ، أعني فحول شعرائهم ، فهذا علقمة بن عبدة يقول :

مُنَعَّمةٍ ما يُستَطاعُ كلامُها *** على بابها من أن تُزارَ رَقيبُ

إذا غاب فيها البعلُ لم تُفشِ سِرَّهُ *** وترضى إياب البعلِ حين يؤوبُ

وقال الشنفريُّ الأزدي :

لقد أعجبتني لا سقوطاً قناعُها *** إذا ما مشت ولا بذات تلَفُّت

أُميمةُ لا يخزي فتاها حليلَها *** إذا ذُكر النسوانُ عفَّت وجلَّت

إذا هو أمسى آب قُرَّةَ عينه **** مآب السعيد لم يَسَلْ أين ظلَّت

إلى غير ذلك مما حفلت به الدوواين وكتب الأدب في حكاية تلك الأخلاق والخواطر التي اتصلت بحياتهم أيما اتصال .

وفي هذا السياق يقول العلامة ابن القيم رحمه الله حول هذه المسألة مما فيه الذكرى للأزواج وأولياء أمور النساء وما يتوجب عليهم من رعايتهن وصيانتهن والبعد بهن عن كل ما يقلل من كرامتهن أو يهدر مكانتهن ، يقول ـ رحمه الله ـ " الطرق الحكمية " ( ص 239 ) :

" ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بَلِيَّة وشر ، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة ، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة ، واختلاطُ الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا ، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٩٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٩٠٥