تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الآخرون فقالوا بالقياس ولكنهم عللوا قصر الربا على الأصناف الستة بقولهم : لم نر علة واضحة بينة ، ووجدنا الأقوال الأخرى متضاربة فجعلنا العلة قاصرة غير متعدية واشتركوا في القول بأن الربا لا يجري في غير الأصناف الستة .

وقول الجمهور هو الصحيح ، والدليل على هذا :

1- ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم أنه قال :« الطعام بالطعام مثلاً بمثل » فأتى بـ ( ال ) التي تدل على العموم فنبه على علة وهي الطعم .

2 - حديث النهي عن المزابنة ولعل هذا الحديث أصرح الأدلة ، ففي الصحيحين عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة والمحاقلة .

المزابنة عرَّفها راوي الحديث ابن عمر - والراوي أعرف بما روى - فقال : أن يبيع ثمر حائطه بتمر كيلاً ، وإن كان كرماً أن يبيعه بزبيب كيلاً ، وإن كان طعاماً أن يبيعه بطعام كيلاً نهى عن ذلك كله .

يعني : يبيع الرطب الذي على رؤوس النخل بتمر كيلاً فيقدره مثلاً بـ 10 آصع ثم يبيعه بـ 10 آصع من تمر فهذا ممنوع ؛ لأنه مجهول التماثل والجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل .

فالشاهد من الحديث : قوله « وإن كان كرماً أن يبيعه بزبيب كيلاً » فهذا في الحديث أدخل نوعاً وهو الزبيب والعنب فدل على أن الربا لا يقتصر على الستة أنواع فقط .

بل كل ما كيل أو وزن من المطعومات ولذل قال ( كيلاً ) للتنبيه على العلة .

3- آثار رويت عن بعض الصحابة ، مثل : ما روي عن عمار بن ياسر أنه قال : إنما الربا في النسيئة إلا ما كيل أو وزن ، يعني : وفيه ربا فضل .

فأعطى علة عامة وهي الكيل والوزن .

وبهذا يترجح قول الجمهور بأن الربا يجري في غير الأصناف الستة مما وجد فيه علتها فلا بد أن نعرف العلة في الأصناف الستة التي حرم الربا لأجلها حتى نطبقها على الأموال الأخرى فنجري الربا فيها ، وهذا ما سنتطرق إليه في المسألة التالية .

مسألة / العلة التي حرم الربا لأجلها :

حصل خلاف طويل عريض بين الفقهاء ولكن نذكر أشهر الأقوال ونخلص إلى القول الراجح ، فنقول : إن الأموال التي نص الحديث على دخول الربا فيها ستة أنواع ، وهذه الأنواع الستة تنقسم إلى قسمين :

1- أثمان ، وهي الذهب والفضة .

2- مطعومات ، وهي : البر ، الشعير ، التمر ، الملح .

أجمع القائلون بتعليل الربا على أن العلة في النقدين غير العلة في المطعومات الأربع .

أولاً النقدان :

نظر الجمهور فيهما لماذا حرم الربا فيهما ؟ فقالوا أقوالاً كثيرة ، ولكن القول الراجح فيها : مطلق الثمنية .

لأن الشارع أراد أن تكون أثماناً بحيث لا تقصد لذاتها – لأنها لو قصدت لذاتها لحصل الربا – فأراد أن يبثها ويفرقها في الناس ويفتتها فتكون وسيلة للتعامل وحصول الأشياء . حتى لا يؤدي تراكمها بيد معينة كما يحصل الآن عند المرابين .

وهذا قول المالكية والشافعية ورواية عند الحنابلة اختارها الموفق وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ورجحته هيئة كبار العلماء .

فعلى هذا ننقل العلة فنقول : كل مال وجدت فيه العلة حرم فيه الربا قياساً على النقدين حتى قال الإمام مالك – كما في المدونة - : لو تواضع الناس على أن يجعلوا الجلود أثماناً لكرهت الربا فيها . وهذا من فقه الإمام رحمه الله فإنه ما علم أنه سيأتي زمان الورق الذي هو أرخص الأشياء سيتخذ أثماناً .

فإذاً نقيس كل مال استعمل ثمناً جرى فيه الربا قياساً على النقدين ، فالريال يستعمل ثمناً فيجري فيه الربا وكذا كل العملات .

ثانياً : المطعومات ( البر ، الشعير ، التمر ، الملح ) :

أيضاً اختلف فيها العلماء في استنباط العلة فيها على أقوال عديدة ولكن أشهر الأقوال :

1- أن العلة فيها الكيل والوزن فقط ، فكل مكيل أو مووزون جرى فيه الربا قياساً على هذه المطعومات الأربع .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٨٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٨٧٧