ولذلك أيها المسلمون: يجب أن تذكروا أنه لا إسلام مع قيام نظام ربوي لأنه يتنافى مع أصل الإيمان، حتى ولو خادع بعض الناس أنفسهم في تبرير شيء من ذلك الربا.
وإن النظام الربوي بلاء على الإنسانية في إيمانها وفي أخلاقها وفي حياتها الاقتصادية، فهو أبشع نظام يمحق سعادة البشر محقاً، على الرغم من أنه يبدو كأنه مساعده من هذا النظام للنمو وسد الحاجات، واذكروا أن التعامل الربوي لابد أن يفسد ضمير الفرد وخلقه وشعوره تجاه أخيه في الجماعة، ثم يفسد حياة الجماعة وتضامنها بما ينشره فيها من روح الطمع والجشع والأثرة والمغامرة.
لهذا كله أيها المسلمون: ولغيره من الأسباب وقف الإسلام من الربا موقف الحرب الساخنة التي لا هوادة فيها، وشنع على أصحاب هذه المعاملة أبلغ تشنيع، وحمل عليهم حملة مفزعة مرعبة وهددهم تهديدا معنويا وحسيا فقال - سبحانه و تعالى -: " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم".
فأكلة الربا لا يقومون في الحياة لا يتحركون فيها إلا حركة الممسوس المضطرب القلق المتخبط الذي لا يستقر له قرار ولا طمأنينة ولا راحة، يعيش حياة القلق والاضطراب والخوف والأمراض النفسية والعصيبة والخوف على المال، والخوف من الخسارة والخوف من المحق، ثم الخوف من الكفر والله لا يحب كل كفار أثيم ثم ينادي الله - تعالى - الذين يريدون تحقيق إيمانهم فيقول: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ".
ثم يربط الله - تعالى - هذه الأحكام جميعا بتقوى الله والخوف من عقابه يوم الحساب "واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون".
ثم تواردت أحاديث النبي تحذر من الربا وتبين عواقبه ففي الصحيحين عن أبي هريرة: ((اجتنبوا السبع الموبقات، الشرك بالله السحر وعقوق الوالدين، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات)).
الربا سبب للعن والطرد من رحمة الله، يشترك في ذلك كل من له علاقة بالربا شهادة أو كتابة أو أخذا أو إعطاء، وفي الصحيحين عن ابن مسعود: ((لعن رسول الله آكل الربا وموكله)). وعن جابر: ((لعن رسول الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء)).
وإذا كان الجزاء من جنس العمل فاسمعوا إلى عقوبة أخروية تبدأ بعد الموت إلى قيام الساعة مع ما ينتظر صاحبها من عقوبة بعد البعث، فقال: ((رأيت الليلة رجلين (أي ملكين)، فأخرجاني إلى أرض مقدسة فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد الرجل أن يخرج رمى الرجل بحجر في فمه، فرده حيث كان، فقلت: ما هذا الذي رأيت في النهر؟ فقال: آكل الربا)).
وفي الحديث الصحيح كذلك تشنيع لهذه المعاملة وجعلها في مستوى الزنا بل هي أشد من الزنا، فكيف إذا كان الزنا بالأم، فعن النبي قال: ((الربا ثلاث وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه))، وقال: ((الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله من ثلاثة وثلاثين زنية يزنيها في الإسلام)).
وهو سبب لعذاب الله وسبب للعقوبات العاجلة في الدنيا، ففي الحديث: ((ما ظهر في قوم الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله))، وفي حديث عمرو بن العاص: ((ما من قوم يظهر فيهم الربا إلا أخذوا بالسنة، وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب)).