وكما ذكرت في غير هذه المناسبة(5) فإن فرض سعر الفائدة (الربا) على النقود التي هي معيار لتقويم السلع والخدمات ابتداء يؤدي إلى كل هذه الاضطرابات وعدم الاستقرار الذي تشهده الاقتصاديات المعاصرة وما سبقها من اقتصاد دول وإمبراطوريات بني على أساس الربا. وقد وقعت على كلام نفيس لابن القيم - رحمه الله -(6)، يؤكد هذه المسألة، فيقول مرجحاً سبب ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - للذهب والفضة مع باقي الأصناف الأربعة التي تحدثت عن ربا الفضل(7) بعلة الثمنية، أي أنها أثمان للمبيعات: ".. فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدداً مضبوطاً لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء، ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوم هو بغيره؛ إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس، ويقع الخلف، ويشتد الضرر كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح فعم الضرر وحصل الظلم [وكما هو واقع في عالمنا اليوم تحت مسمى المضاربات المالية]، ولو جعلت ثمناً واحداً لا يزداد ولا ينقص بل تقوم به الأشياء ولا تقوم هي بغيرها لصلح أمر الناس.. فالأثمان لا تقصد لأعيانها، بل يقصد التوصل بها إلى السلع، فإذا صارت في أنفسها سلعاً تقصد لأعيانها فسد أمر الناس، وهذا معنى معقول يختص بالنقود لا يتعدى إلى سائر الموزونات" اهـ.
هذه بعض أضرار الربا وآثاره كما نشاهدها ونعايشها، فما بال أناس من بني جلدتنا يفرضون علينا الربا في عقر دارنا ويجعلونه ركناً أساسياً لا يتصورون قيام اقتصاد ولا إحداث نهضة تنموية من غير الاعتماد عليه، وما بال بعض المشايخ يبيح الربا لولي أمره أو لا ينكر عليه ذلك لأنه – حسب تصوره - ليس هو الربا الذي كان سائداً أيام جاهلية العرب عند بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فاعتبر البنوك الربوية وأعمالها حلالاً مائة بالمائة، وتهاون في القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيال هذا الجرثوم العظيم الذي أضاع الكثير من مقدرات الأمة وثرواتها وكبل نمو اقتصادياتها. ولن نقف طويلاً عند ترهات الذين قدموا تجارب الغرب والدول الآسيوية ونهضتها الاقتصادية بحلوها ومرها نموذجاً يجب تتبع خطاه في كل صغيرة وكبيرة دون النظر إلى ما عند الأمة من ثوابت ثم عواقب ومآلات الأضرار التي يحدثها تطبيق الربا في اقتصاديات هذه الدول، فهذا الصنف من الناس لشدة ولوعهم وتقليدهم لنموذجهم المفضل لا نظن أنهم سيستخدمون عقولهم لإدراك ما نكتبه أو يكتبه غيرنا إلا إذا حدث تغيير جذري في طريقة تفكيرهم وتعاملهم مع مثلهم الأعلى.
وأخيراً ما بال آخرين بدأوا يتساهلون في مسألة الإفتاء بجواز بعض صور الربا المحرمة، مثل القروض العقارية (Mortgage) أو "المورغج" اللعين على حد تعبير الدكتور علي السالوس - حفظه الله -، وخاصة في بلاد الغرب بحجة الضرورة أو أن أبا حنيفة - رحمه الله -أباح التعامل بالعقود الفاسدة في غير دار الإسلام.
لهؤلاء وأولئك نقول: اتقوا الله في هذه الأمة وفي ثوابتها في مسألة الربا وغيرها من المسائل العظام فإن طريقكم هذا أحدث بلبلة عظيمة وهز كثيراً من المسلمات والقناعات لدى فئات كثيرة من الناس. فإن كنتم تتصورون أن في الأمر تيسيراً وتسهيلاً لحل المشاكل التي تعاني منها الجالية في بلاد المهجر نقول: ما هكذا يا سعد تورد الإبل، فإن كان ظاهر الأمر مثل ما تتصورون فإن حقيقته وعاقبته ومآله غير ذلك، لأن مصير الربا إلى قل ومحق وإن علا وانتفش. فلا يزال في الأمر متسع وبدائل وإن كان كثير منها فيه مشقة وعنت كما يظهر لنا بتقديرنا نحن البشر المتأثرين بضغوط الواقع من حولنا، فهذا أقل ما يمكن أن نصبر على مشاقة وتبعاته في زمن أصبح المتمسك فيه بدينه كالقابض على الجمر. وعلى أية حال لي عودة إن شاء الله لهذا الموضوع لزيادة بيانه وتفصيله، فلعل الله ييسر أمر تنقيح ما عندي من مادة وإخراجها في كتيب تعميماً للفائدة وإبراء للذمة، ولا أملك إلا أن أختم هذا الموضوع بما ختم الله به الآيات التي تحدثت عن الربا في سورة البقرة، فيقول عز من قائل: ]واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون[ [البقرة:280]...