تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فبدأ الوضع يزداد سوءاً حتى وصلت نسبة القروض التي لا يمكن استردادها إلى مستوى 18% من مجموع القروض التي قدمتها تلك البنوك، ومع انهيار قيمة الوون (العملة الكورية) لم تجد الدولة بداً من التوجه إلى صندوق النقد الدولي وأخذ قرض مشروط بقيمة 20 مليار دولار من أجل عدم ترك الأمور تصل إلى وضع أسوأ مما هي عليه الآن، أما عملية إصلاح النظام المالي المتعفن على حد قول مجلة الإكونوميست فإنها تكلف ما بين 60 إلى 100 مليار دولار، ومن جهة أخرى فإن الديون الخارجية لكوريا تقدر الآن بـ 122 مليار دولار معظمها قصيرة الأجل - أي تستحق السداد في أجل لا يزيد عن السنة.

وما يدهش حقاً في مسألة كوريا الجنوبية هو أن اقتصادها نما بمعدل 8.6% خلال العقود الثلاثة الماضية، وأن صادراتها نمت من مستوى 33 مليون دولار عام 1960 إلى مستوى 130 مليار دولار العام الماضي، أي أن قطاع الصادرات نما بمعدل 3939% من عام 1960 إلى 1996. ومع كل هذا فإن هذه التطورات لم تصمد في وجه حقيقة الربا؛ لأن أصل البناء أقيم على جرف هار توعد الله بمحقه واستئصال بركته.

وبشكل عام فإن الأنظمة المالية - خاصة البنوك - في الدول الآسيوية تعاني من مشاكل جمة لعل أبرزها مشكلة القروض المعدومة التي تتراوح نسبها بالنسبة إلى مجموع القروض التي قدمتها بين 10 و 20% بينما في أمريكا لا تتعدى هذه النسبة مستوى 1%.

هذه هي النتيجة الحتمية والعاقبة المنطقية بالنسبة لمعالجة مشاكل الربا عندما تتفاقم كما يراها الذين يدافعون عنها والذين يقعون في حمأتها، وذلك بدفع الأموال المتراكمة من وقت إلى آخر حتى تحين اللحظة التي يتضح فيها أن عملية التأخير لا تسمن ولا تغني من جوع، فتحدث الاضطرابات والهزات كتلك التي شهدها العالم عام 1982 في ما عرف بأزمة ديون العالم الثالث، وشهدتها أمريكا في الثمانينيات بسقوط مئات المؤسسات المالية للقروض والمدخرات(4)، والمكسيك عام 1994، وغيرها من الدول الأخرى.

الأثر الثاني: استغراق أموال الربا جميع الموجود.

وهذا أمر بدهي؛ لأن المرابي يطالب بدفع أمواله كاملة غير منقوصة، وتحميها القوانين الآن، بينما الحقيقة التي لا فكاك منها هي أنه في الواقع العملي وفي الجانب الحقيقي من الاقتصاد هناك ربح وخسارة، فكيف نضمن دفع أموال مع زيادة تحت مسمى القرض أو السند؟ ونفصلها عن الأموال التي تدفع تحت مسمى الشراكة أو السهم ونفرق بينهما في المعاملة فنضمن الأول ونخضع الثاني لمبدأ الغنم بالغرم، من شأن هذا الوضع المقلوب أن يعطي السلطة للمقرضين للاستحواذ على ممتلكات الدائن العقارية وغيرها حتى يتمكنوا من تسديد جزء من الأموال وليس كلها، فيتعرض أصحاب المهن والمهارات والأفكار إلى الظلم والحيف الشديد نتيجة هذه القوانين الجائرة ويتعرض الاقتصاد إلى الاضطراب والهزات على الدوام، وهذا أمر ملاحظ ومشهود.

فالجانب المالي - أي قطاع المال - من الاقتصاد الآن طغى ونما بمعزل عن الجانب الحقيقي: أي قطاع السلع والخدمات، فجميع الأسواق المالية مقومة بأكثر من الواقع الذي يجب أن تكون عليه. أي ما هو مسجل على الأوراق أو بواسطة الأجهزة الإلكترونية يفوق كثيراً قيمة السلع والخدمات الحقيقية التي كان يفترض أن يكون عمل الجانب المالي مثل المرآة يعكس صورة الحركة والمعاملات فيها. ولهذا يعزو كثير من المحللين حدوث الهزات المفاجئة إلى هذا الأمر ويقولون أن: قيمة الأسواق مرتفعة Overvalued Markets)) ولابد أن يصحح وضعها، إلا أن عملية التصحيح هذه لا يمكن التأكد من مفعولها وأثرها الإيجابي وذلك بسبب وجود العلة التي توجدها وتساهم في تفاقمها وهي الربا.

ونتيجة لتعارض الفلسفة التي يقوم عليها الربا مع بدهية الربح والخسارة فمن شأن ذلك مع وجود القوانين التي تحمي أموال الدائنين أن يؤدي إلى أن الأموال التي يجب سدادها للمرابين تفوق الممتلكات التي لدى المقترضين. فإذا كان الأمر شديد الوضوح بالنسبة للشخص الذي يقترض لغرض الاستهلاك - أي الاستخدام النهائي - فإنه لا يصعب إدراكه بالنسبة للذي يقترض لأغراض الاستثمار والاتجار. فلو افترضنا أن المستثمر الذي يقترض على أساس الربا ناجح وشديد الحذر والحيطة في عدم الوقوع في مشكلة تأخير سداد الدين، فإنه يستطيع أن يفعل ذلك لمدة سنة أو عشر سنوات، لكن لا بد أن يحين الموعد الذي يعجز فيه عن الوفاء بجميع ما عليه من أموال دون اللجوء إلى الاقتراض مرة أخرى. لأن الأموال الربوية تزداد وبأضعاف مضاعفة على الدوام، بينما المشروع الاستثماري ليس كذلك. فحتى في حال تحقق الأرباح بصفة مستمرة إلا أن نموها ليس مطرداً على الدوام. وما عدم قدرة الحكومات في دول العالم الثالث على الوفاء بديونها في الأوقات والتواريخ المحددة وسقوط كثير من الشركات المالية وغيرها في البلاد المتقدمة مع تطور مستويات ديونها بصورة مرعبة إلا دليل على ذلك، ثم جاءت هذه الأحداث التي تعصف بنمور آسيا لتعضد هذا القانون البدهي.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٨١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٨١٧