أيها المؤمنون عباد الله: عندما تنقلب الموازين، وتنتكس الفطر، وتتحطم القيم، ويقع الإنسان في أوحال الذنب والكبيرة، ويغوص في أعماق المعصية والرذيلة، ويتلطخ بأوصاف قذرة قبيحة، عند ذلك يصبح الإنسان في مصاف البهائم، وتلحقه لومة اللائم، ولكن العجيب والعجائب جمة قصة ذلك الساذج البسيط، الذي فقد عقله، وأسلمه لعدوه، الشيطان وأعوانه، فنأى بنفسه بعيداً عن التوحيد، ورمى بها في مستنقعات الجهل وحب المال الحرام، فلقد جاء شاب من أهل الغفلة والضياع، إلى المسؤول يطلب منه استقطاعاً من راتبه لعملية ربوية محرمة مع أحد البنوك الربوية، وعندما وجه إليه النصح والإرشاد، والتخويف من أجل الترك والابتعاد، مسنوداً بقول أفضل العباد - صلى الله عليه وسلم - الذي قال: (الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه)، فبدل أن يقوم بشكر ذلك الناصح الأمين، وحاملاً له هم الأخوة في الدين، بل رد قائلاً: اعتبرني ناكحاً للأسرة كلها، إنه والله الخسران المبين، والران الذي غطى القلوب، وأعمى الأبصار، إن الزنا مع الغريبة عظيم، فكيف بذات الرحم؟ لقد انساق وراء الأوهام، واستسلم للأباطيل وتفاهة الأحلام، فهو كالفراش يتهافت على النار، إنه أمر مذهل، وجواب مخجل، إن من الحيوان الذي لا يفكر، ولا يمكن أن يقدر، من لا يمكن أن يقع على أمه، فذكر الدميري في حياة الحيوان الكبرى وفي طيات كلامه عن الجمل، فقال: لا يمكن للجمل أن ينزو على أمه، فكان رجل في سالف الدهر ستر ناقة بثوب ثم أرسل ولدها عليها فلما عرف أنها أمه قتل نفسه، فسبحان الله العظيم، جمل أعقل من رجل، وحيوان أفهم من إنسان، فهذا إنسان لا يبالي بأن ينكح أسرته من أجل حفنة من مال حرام، وذاك حيوان يقتل نفسه لأنه وقع على أمه، فشتان ما بين الإثنين، فاحذروا عباد الله من عاقبة الربا وأكله، فهو الطريق إلى النار، وبئس القرار.
معاشر المسلمين: إن الربا وإن كثر فهو إلى قِلّ وأن بركته ممحوقة يقول الله - تعالى -: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم). وقال - صلى الله عليه وسلم -: [الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل] (رواه الحاكم وهو في صحيح الجامع)، فآكل الربا كافر كفر نعمة، وإن استحله فهو كافر خارج من الدين ومارق منه، يستتاب فإن تاب وإلا قتل مرتداً والعياذ بالله، فخير الله إليه نازل وشره إلى الله صاعد قال - تعالى -: ﴿أفبنعمة الله يجحدون﴾ وقال - تعالى -: ﴿يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون﴾ فآكل الربا لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من الكسب المباح، بل يسعى في أكل الأموال بالباطل بأنواع المكاسب الخبيثة، وأنواع العقود الخسيسة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل الحرام، ولذلك وصفه الله - عز وجل - بأنه كفار أثيم، وكفران النعمة سبب لتغير الحال وكثرة المرض والجنون والموت وسبب لزعزعة الأمن وعدم الاستقرار قال - تعالى -: ﴿وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون﴾.
أيها المؤمنون: يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام كما ورد ذلك في الحديث وذلك لأن الأغنياء يحاسبون على أموالهم من أين اكتسبوها وفيما أنفقوها وهذا في المال الحلال فما ظنك بذي المال الحرام. ولما سئل عيسى - عليه السلام - عن المال قال: [لا خير فيه، قيل: ولم يا نبي الله، قال: لأنه يُجمع من غير حِل، قيل: فإن جُمع من حِل، قال: لا يُؤدي حقه، قيل: فإن أدى حقه قال: لا يسلم صاحبه من الكبر والخُيلاء، قيل: فإن سلِم، قال: يُشغله عن ذكر الله، قيل: فإن لم يُشغله، قال: يُطيل عليه الحساب يوم القيامة]، فتأملوا رحمكم الله هذه العقبات الخمس وقليل من يتجاوزها سالماً.