** ومن صور الربا، الإيداع بفائدة، وصورته أن يضع ماله في أحد البنوك الربوية، ويعطيه البنك فائدة جراء الانتفاع بالمبلغ، وهذا حرام، وفيه تعاون على الإثم والعدوان، ومعصية الرحمن.
أيها المسلمون: لا ريب أن المسلمين أخوة، يساعد بعضهم بعضاً، ويعين أحدهم أخاه، بشفاعة حسنة، أو واسطة لا ظلم فيها، أو غير ذلك من أوجه المنفعة، فمن شفع لأخيه أو قضى له منفعة، فلا يجوز له أن يأخذ مقابل ذلك أجراً، ومن فعل فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا، قال - صلى الله عليه وسلم -: " من شفع لرجل شفاعة فأهدى له عليها فقبلها فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا " [أخرجه أبو داود]، وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: " من شفع لرجل شفاعة فأهدى إليه هدية فهي سحت "، وقال - صلى الله عليه وسلم -: " كل قرض جر نفعاً فهر ربا ".
أمة الإسلام: ربما وقع المسلم في الربا وهو لا يعلم، فمن كان كذلك، وجب عليه رد الحقوق إلى أهلها، وترك الربا فوراً، لأنه من أسباب سخط الله، ومن وقع في الربا مع بنك أو مصرف أو غيرها فإنه يرفع أمره للمحاكم الشرعية، ليتبين الحق من الباطل، ألا فاعلموا أيها الناس أن من وقع في الربا عارفاً أو جاهلاً، فالعقد باطل، لحديث بلال - رضي الله عنه - أنه جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بتمر جيد، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من أين هذا؟ "، فقال: كان عندنا تمر رديء، فبعت منه صاعين بصاع، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " هذا ربا فردوه، ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا " [متفق عليه واللفظ لمسلم]، وهذا دليل واضح على بطلان العقد ولو تم التوقيع عليه، والموافقة من قبل المتعاقدين، فكل تلك الأمور لا تجيز العمل بالربا.
أمة الإسلام: لقد كان سلفنا الصالح - رحمهم الله - تعالى -ورضي عنهم أجمعين، أبعد الناس عن الحرام، بل وتركوا المباح، خوفاً من الوقوع في الحرام، عرفوا قدر الأموال، وأمعنوا النظر في سبيلها، وطرق الحصول عليها، فكانوا لا يحصلونها إلا من طريق مباح، ولا يصرفونها إلا في وجه له منفعة، سلكوا في تحصيلها سبيل الورع، وفي تصريفها سبيل الكرم والبذل المحمود، كان لأبي بكر - رضي الله عنه - غلاماً، فجاء يوماً بشيء، فأكل منه أبو بكر - رضي الله عنه -، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ لقد كان ثمناً للكهانة، فأدخل أبو بكر يده في فمه فقاء كل شيء في بطنه، وشرب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لبناً فأعجبه، فقال للذي سقاه: من أين لك هذا؟، قال مررت بإبل الصدقة وهم على ماء فأخذت من ألبانها، فأدخل عمر يده فاستقاء، هكذا أيها المسلمون كان سلفنا الصالح يخرجون الحرام من بطونهم، بعد أكله وهم جاهلون به، وما ضرهم ذلك الفعل، بل ملكوا زمام الدنيا، ومفاتيح الآخرة، وكانت حياتهم طيبة، وعاقبتهم حميدة، الله أكبر يا عباد الله، ما أعظم الفرق بين قوم أخرجوا الحرام من بطونهم، وقوم عرفوا الحرام، وقرءوا كتاب الله، وتدبروا سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ثم أقدموا على أكل الحرام، شتان بين الفريقين، فريق ملكوا الأرض وخيراتها، وفريق ضاع ملكهم اليوم، فأصبحوا عبيداً للأهواء والشهوات والشبهات، قال الله - تعالى -: " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له وما لهم من الله من وال "، وإذا كان أخف الناس عذاباً يوم القيامة، رجل توضع تحت قدميه جمرتان من النار، يغلي منهما دماغه، فكيف بمن يأكل الربا وقد توعده الله بالخلود في النار، فاتقوا الله أيها الناس، واعلموا أن الله - عز وجل - ختم آيات النهي عن الربا، والأمر بتركه في سورة البقرة بقوله - تعالى -: " واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون "، فهل بعد هذا البيان من النصوص الشرعية بيان؟ لهي أعظم دليل وبرهان، ولكن صدق الله العظيم إذ يقول: " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد "، وقوله - سبحانه -: " أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً "، وفي الموضوع أدلة كثيرة، وأخبار غزيرة، وفيما ذكرت كفاية، لمن أدركته العناية، هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على النبي المختار، صادق الأخبار، سيد الأبرار، حيث أمركم بذلك العزيز الغفار، فقال الواحد القهار: " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً "